الافتتاحية

إنسانية الجنرال عزيز/ حنفي ولد دهاه

بلغ استخفاف ولد عبد العزيز بمواطنيه غايته، و وصل احتقاره لهم منتهاه.. فما أن نعى الناعون منكوبي لبراكنة و لعصابة، حتى امتطى الأرعن متن طائرته، متأبطاً ذراع تكيبر بنت أحمد و هي تتكسر على كعبها العالى، موجهاً وجهه شطر باريس، عاصمة الأنوار التي لم يعشُ فيها الأرعن لغير نار الحباحب.

لا يهمه أن تنزل على مواطنيه صاعقة من السماء تبيدهم على بكرة أبيهم، فمن لم يمت منهم بالجوع و النّصَب و تكالب الأدواء و الأوبئة قتلته الطبيعة الغاضبة..

إنه الموت الذي يترقص فوق تلالها و كثبانها، و داخل دورها و أكواخها و أعرشتها منذ أن رماها به، قوس دكتاتورية و نهب و اختلاس.

إنها بلاد حلّ بها الويل و الثبور، و ألقت فيها رحلها أم قشعم، منذ أن ارتفق تاجها على هامة أرذلها و أحقرها: محمد ولد عبد العزيز.

فماذا يهمّه من موت ١٥ مواطناً، و إصابة زهاء ٤١ منهم، ما ماست بجانبه تكيبر بنت أحمد خوطَ دوحة كنهبل، و رافقه النذل المتنصت أحميده ولد اباه، سمير لياليه الحمراء.. كأنه الخليفة الأموي يزيد ابن معاوية حيث نما إليه خبر انتشار الحمى في جيش المسلمين، فأنشأ يقول:

و ما أبالي بما لاقت جمـــوعهم    بالغرقدونة من حمى و من موُمِ
إذا اتكأت على الأنماط مرتـــفقاً     بدير حــمدان حولي أم كــلثومِ

هل يمكن أن تكون وقاحة بهذا الحجم: الرجل الذي استولى على السلطة بالقهر و الغلبة، و سرق خيرات شعبه و نهب ثرواته، و قتل كل حلم فيه بالديمقراطية و الحرية، و وأد كل أمل بتناوب سلمي، و في وقت ينقلب فيه على الدستور، و يغتصب فيه عذارى الشرعية و عُونها، فيشوّه العلم و يلغي النشيد، و يمشي الضّرَاء لمأمورية ثالثة، ثم يسجن سيناتوراً و يستجوب صحفيين و نقابيين و أعضاء مجلس الشيوخ، و يصدر مذكرات توقيف في حق رجال أعمال، لا لذنب اقترفوه إلا أنهم سعوا لأن يوقفوا سيل طغيانه الهادر، الذي يكسر السدود.. و قبل أن يصحو المواطنون من هول صدماته المتلاحقة، يسافر و هو يهز أكتافه غير آبهٍ بجثثهم التي تملأ الأزقة و الحواري، و كأنه يعاتب الطبيعة التي اغتالتهم قبل أن يغاتلهم تجويعا و اضطهاداً. أو يستنجد بعطور باريس من رائحة “جيّف” قد تزكم أنفه، فهم لم يعودوا مواطنين، لأنهم لن يدفعوا بعد اليوم ضرائب، و لن يشتروا جوازات سفر و لا أوراقاً ثبوتية، و لن ينضح لهم عرق فتمتصه إسفنجة المكوس و الإتاوات.

لن يلغي الأرعن رحلة لمؤازرة صديقه الديكتاتور التشادي إدريس دبي، من أجل جثثٍ أغلب الظن أنها لأنصاف مواطنين، عبيد و زنوج، لا بواكي لهم و لا نوائح عليهم.. و لن تنتطح في موتهم شاتان، فالموت أفضل لهم من حياة الجوع و الاستعباد.. زيارة الموت المباغتة أفضل من انتظاره على قارعة الطريق، حيث تكلح طلائعه في وجوه منتظريه.

إذا قتلتم فأحسنوا القِتلَة، و الجنرال الإنساني سعيد بموتهم دون عضة جوع، أو ألم مرض.. قلبه الرؤوف يريد لهم موتة سعيدة، و هو سعيدٌ لأن “نفوسهم ماتت جميعة، و لم تتساقط أنفساً”، على حد تعبير امريء القيس.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى