نوحيات

الأحياء الصافية مرة ثانية!/ الشيخ نوح

نعرف عن ولْ افذ المحلْ
فالدشره ما تزي بعرَه
اليزّي شي هون اللاوُلْ
ورقتْ خمسَ ولّ عشرَه

يصلح هذا “الكاف” مدخلا لإلقاء نظرة على التغيرات التي شهدها المجتمع في نظرته لقيمة الفرد فيه، حيث يرى قائل الكاف أن تلك المرجعية التقليدية القائمة على تبجيل الفرد انطلاقا من انحداره من وسط قبلي أو أسري معين لم تعد قائمة، أو على الأقل في الحيز الجغرافي الذي أسماه “الدشره” أي المدينة حتى وإن كانت وجهة نظره لا تنبطق على الواقع بدقة إلا أنه يمكن أن نستشف منها أن المدينة فتحت كوة صغيرة للقادمين من الهامش للاحتكام إلى قوانين مختلفة- في ظاهرها على الأقل- عن قوانين “لفريك” و”أدباي”، وبناء على ذلك فأعتقد أن صاحب “الكاف” لا يمكن إلا أن يكون منحدرا من الطبقات المهمشة تاريخيا و التي عانت طويلا من القواعد التي أرساها المجتمع “الفركاني”، خصوصا أن خلفية الكاف هي كما يروى: أن شخصا يحسب نفسه منحدرا من سلالة ترى لنفسها النقاء و لغيرها الدونية والدنس،  قد أرسل إلى صاحب دكان مجاور له شخصا بوصفه “مرسول ولد افلان” طالبا بعض الحاجيات في الدكان دون دفع المال،  فكان رد صاحب الدكان بهذا “الكاف”.. وعلي هنا أن أؤكد أنني لا أعرف بالضبط التاريخ الذي قيل فيه هذا الكاف.

ما يمكن أن نفهمه أن شيئا ما تغير في الذهنية الجمعية للمجتمع الموريتاني، وذلك عندما أصبحت المادة مكياجا يمكنه أن يحسن من بعض الوجوه المنبوذة اجتماعيا، ولكن السؤال المطروح هل كانت الفرص متساوية بين الجميع وهل كانت هناك عدالة ومساواة وتقسيم عادل للثروة والنفوذ؟

لا شك أن شخصية “البطرون” هي سليلة شيخ القبيلة والقوى التقليدية،  وبالتالي أصبح المال وهو المحرك الجديد لماكنة المجتمع في يد تلك القوى المتحكمة تقليديا في مصائر الناس؛ لأن الحكام وجدوا أن أسهل طريقة للحكم هي تحويل الناس إلى مجموعة من القطعان التي تساق إلى مشرب واحد،  ولكن بمسميات شتى: حزبية وحركية ونقابية وذلك تحت يافطاات براقة تتوسل بالديموقراطية والحرية والتحزب وغيرها من مفاتيح الدولة الحديثة،  غير أن هذه القشور لم تمس المشاكل الجذرية ولم تجعل المجتمع يتغير في بنياته العميقة بل ظل كما كان، أو أسوأ لأن الواقع الجديد أصبح يتمتع بشرعية “القانون” و”هيبة الدولة” ومشتقاتها ..

إن إفشال “التعليم النظامي” هو أحد الاستراتجيات التي يراد من ورائها تثبيت النظام الطبقي الشرائحي السائد في موريتانيا،  ليصبح جهل الطبقات المهمشة تاريخيا هو المسؤول عن وضعيتها، وليس مجموعة تراكمات واستراتيجيات مدروسة يراد منها إبقاء المنحدرين من تلك الطبقات في هذا المستنقع، وهكذا تصبح إشكاليتهم بمثابة جدلية الدجاجة والبيضة، فهل سبب تأخرهم هو جهلهم وفقرهم،  أم أن جهلهم وفقرهم هو سبب تأخرهم؟   وفي كلتي الحالتين فإنهم هم المسؤولون عن وضعهم، فالدولة تفتح المنافسة الاقتصادية أمام الكل(  هذا ما لم يحدث أبدا)  وتفتح أبواب المدارس أمام الجميع وهذا ما يصبح “مساواة” من حيث المظهر الخارجي ولكن المساواة مجرد إجراء ناقص – يراد منه الاستهلاك السياسي- إن لم تتحول إلى عدالة، والعدالة تقتضي أن لا نجعل طفلا عمره سنتان يدخل حلبة صراع مع شاب عشريني، فهنا مساواة ولكن فارغة من المعنى كصناديق اقتراع بدون ديموقراطية حقيقية .

ولأن انواكشوط لم تكن مهيأة إلا لاستقبال حوالي خمسين ألف ساكن فلم تستطتع أن تستوعب هذا التدفق البشري بعشرات الآلاف في ظل بنية تحية متواضعة، وهكذا لم يستطع  المنحدرون من طبقات اجتماعية هشة أن يدخلوا المدينة فعاشوا على أطرافها في “غيتوهات”  وأحياء من الصفيح مشكلين أحزمة فقرية تزداد غلظا حول المدن باستمرار ،  وذلك في ظل حكومات لا يهمها منهم إلا أصواتهم إذا حانت لحظة القيامة الانتخابية.

لا شك أن التعريب الذي استفاد منه كثيرا خريجو المحاظر فتح فرصة جديدة فقط لهؤلاء الذين ينتمون إلى فئة اجتماعية واحدة تعلمت في المحاظر بسبب ظروف تاريخية واجتماعية معروفة،  كانت المعارف التقليدية فيها محتكرة على شريحة واحدة من المجتمع، بينما ألقى هذا التعريب المفاجئ وغير المدروس الفرصة التي كان يمكن أن توفرها المدرسة كبيئة علمية صاهرة تذوب فيها الفوارق واللغات، وتتعلم فيهاا الأجيال كيف يكون القادم من قاعدة الهرم الاجتماعي متميزا دون أن يشعر الغارقون في أوهام “الاصطفاء” بأي حرج.. لقد كانت المدرسة والجوار والحي المشترك تشكل مجتمعة بديلا مؤقتا عن فكرة “لفريك” والقبيلة إلى حد ما ولكن كل ذلك تم ضربه في الصميم ،ليُفتح المجال لشروخ أخرى تزيد من توتير العلاقة بين مكونات هذه الفسيفساء المجتمعية!

انحفرت هوات اقتصادية واجتماعية سريعة بين أبناء البلد الواحد، وأخذ الأغنياء يبتعدون عن ضجيج الفقراء ومتاعبهم نحو الشمال، وهو ما كان له الأثر الكبير في تشكيل أحياء صافية من عرق واحد مضاعفة المسافة بين مكونات تقف بينها متاريس اللغة والمال والإيديولوجيات المستوردة في واقع هش لا يحتمل الكثير من الضغوط، فنشأت قطيعة نفسية بين الفئة والفئة ؛وبين الشريحة والشريحة؛ وبين الجيل والجيل؛ بل وحتى بين أفراد الجيل الواحد في ظل غياب مشتركات قوية تستحق أن يدافع عنها الجميع ويحس الجميع أنها نقاط التقاء بينهم لا يمكن إلا التنازل عن أشياء شخصية من أجلها بوصفها مصالح عامة.

لقد صار لكل فئة أحياؤها و”كزراتها”؛ بل يمكنني القول إنه ظهرت حتى أحياء لقبائل معينة تماما كما كان يحدث في حقبة ما قبل الدولة أي “ازمان” و “لفريك” و”لكصر” وغيره من المصطلحات ذات الخلفية ماقبل-الدولتية.

إن هذه الأحياء والقرى والتجمعات السكنية الصافية هي انعكاس أمين لتشتت بلد؛ وضياع مجتمع؛ وفشل مشروع دولة ؛وما دام الأطفال لا يكبرون سوية؛ ولا يدرسون معا؛ ولا يتشاجرون ويلعبون ويعشقون- لاحقا- معا، وما دامت اللغات الوطنية لا تدرس كأداة لفك العزلة اللغوية بين مكونات هذا الشعب المتعدد الأعراق واللغات؛ وما دامت الثروات لم توزع بإنصاف و المساواة صورية؛ وغير معززة بعدالة وتمييز إيجابي لصالح ضحايا الممارسات الاستعبادية البشعة والمحرومين المضطهدين تاريخيا؛  فإن حلم الدولة الوطنية.

الوطنية سيظل شعارات في الهباء وسنرحّل المشاكل للمستقبل، ذلك المستقبل الذي يجب أن يحضّر وليس أن يستشرف فقط ،وهنا أتذكر قول مارتن لوثر كينغ “إن الناس يتقاتلون لأنهم يكرهون بعضهم بعضا، ويكرهون بعضهم بعضا لأنهم لا يعرفون بعضهم بعضا، ولا يعرفون بعضهم بعضا لأنهم لا يتواصلون”

قلت: كيف يتواصلون خارج إطار اللغة والموسيقى والمصالح المشتركة ؟

الاكثر قراءة

لأعلى