حروف النار

الجنرال في نيويورك/ حنفي ولد دهاه

قام متثاقلا من سريره، و هو يرتدي بيجامة الكشمير البيضاء.. استغرق وقتا في حل أزرارها، فقد كانت محكمة الربط.. لقد أحكم ربطها عن قصد بعد أن حاولت تكيبر البارحة حلها، بتشنج، حتى كادت تمزق جلبابه..
– قالت: إنها زوجة وتريد حقها الشرعي.. ها ها ها.. وهل في حياتنا شيء شرعي.. لقد شغلتها بالحديث عن العقارات و الصفقات و العمولات، حتى أفلتت من نيتها السوداء..
يقول الخبيث محسن ولد الحاج إن النساء بعد الخمسين سم ناقع.. فما بالك بأفعى بعد الخمسين.. ها ها ها، يلالي مَفَيّلَح محسن.!
عليهما أن يستعدا فقد أزفت ساعة السفر إلى نيويورك.. استدار ليوقظ تكيبر النائمة في فراشها كالسلحفاة المذعورة، غير أن شخيرها ثار فُجاءة كأصوات البابور.. تراجع مذعوراً، ثم صاح بها:
– اوعايّ تكيبر.. أوعاي.. وقت السفر لاحك.. الوزراء و المستشارون جاهزون.
تحركت كتلة لحم فوق السرير، كما تميس فقمة في سواحل انتاركتيكا.. ثم انشقت عن صوت كهدير قطار مسلين العتيق:
– أهاه.. أيوه، أرانِ اوعيت.
وقف ولد عبد العزيز أمام المرآة، فطالعه وجه كلوحة بدائية رسمها طفل.. أخرج علبة “كريم الأساس” من درجه، ثم شرع يدلك بها البقع البيضاء المتناثرة في جسمه، مما جعله أشبه بطفل انتهى لتوه من اللعب بالطباشير.
كانت تكيبر تتعثر في طريقها إلى الحمام، كعربيد في حانة شعبية.. و قد اصطدمت عند بابه بسلة قمامة مليئة بأوراق المحارم المتلطخة بالدم و الصديد.. لقد بات زوجها ينظف ثقباً في خاصرته، لا ينضب دمه و قيحه.. وقد تعوّد أن يواري محارمه القذرة عن ناظري تكيبر، حتى لا تتذكر برؤيتها يوم أعملت المومس الليبية سكينها في خاصرته.. غير أن تكيبر صاحت وهي ترتطم بالسلة وتقع أرضا:
– يا ربي لا شقيتني من صطيلتك ذي.. ادور تعود بعد عرفت عني نزبّي..
– شوفي هذا ماهُ وقتو.. اعجلي حكلل.. يالل نكيسو المطار بعد نص ساعة..

*******

لا يزال ولد عبد العزيز يحدّق في المرآة.. ويقول لنفسه: هل عليّ أن أخذ حماماً، أم انتظر إلى أن أصل إلى نيويورك.. أخشى أن تصفني الصحافة الأمريكية بالرئيس الذي تفوح منه رائحة البراغيث.. ها ها ها.. سيمسون حينها شرف رئيس الجمهورية دون أن يكون بأمكان هابا حمود ولد محمد أن تعاقبهم.. حمود لا يروق لي كثيرا.. أكلمه عن تجاوزات الصحافة في حقي وفي حق أسرتي و عن حديثها عن مسروقاتنا، فيبتسم و يرد بهدوء وجيهِ شمشوي.. أنا لا أحب هذا النوع من الأشخاص.
يصل من الحمام إلى سمع الرئيس صوت كنَدْف القطن.. إنها فرشاة أسنان تكيبر.. ثم يصطدم شيء ما صلب بالبلاط، فيحاول الرئيس مصادرة ضحكة شاردة، مما يملؤ أشداقه بالهواء، فيحكم رِتاج فمه بيده الشثنة، ويقول لنفسه: إنه طقم أسنانها سقط على الأرض.. نصحتها مرات بأن لا تفرش أسنانها بقوة.
حسم ولد عبد العزيز أمره بتأجيل الاستحمام إلى أن يحط رحاله في نيويورك.. و لكن ماذا عن صلاة الصبح؟.. فكر ملياً..
– أووف صلاة الصبح..!.. لو كانت صلاة رباعية لأجلتها إلى أن أصل نيويورك فأقضيها ركعتين قصراً.. رائع أن أربح ركعتين.. فأنا أحب أن أربح دائما.
ضحكت تكيبر و هي تسترق السمع إلى حديث الرئيس لنفسه، قالت:
– أنا بعد نقصّر صلاة الصبح أرانيلك.. نكلع منها ركعتين ونستراح منها ..ها ها ها .
– ها ها ها.. حك.. أنتي ذاك التعدلي للصلاة نعرفُو..

*******

انتهي ولد عبد العزيز من إعداد نفسه، و تجهيز حقائبه، لقد تعوّد أن لا يشرع في ترتيبها إلا بعد دقائق من سفره.. عادة سيئة لم يتمكن من التغلب عليها، فهي تجر أذيالها على عمله الإداري و الحكومي، الذي تطبعه الإرتجالية و التسرع.. تكيبر أيضا أعدت ما شاءت من حقاىب يدوية حمراء.. ضحك في سره، و أسر لنفسه: الشاهرة أم صك أحمر..!
دعت تكيبر أفرادا من الحرس لحمل حقائبهم.. و سألتهم إن كان ابنها احمدُّ قد استيقظ من نومه، فأجابوها أن نعم..
خرجت تتمايل على كعب عال، فاستقبلتها مديرة تشريفاتها بقهقهة كأجراس الكنائس و صاحت:
– الظهور..!
ضحكت تكيبر و ردت عليها و قد ضربت كفها بكف مديرة التشريفات:
– يمي اهنايْ.. خبطت لهم اعل ملحفة من لحرير، و صك حضارة من Louis Vuitton ونعايل مصبّيات من Stuart Weitzman
– يغير بعد كيفشي يمنت خالتي المتعدلة ما استحمتي..!
تلعثمت السيدة الأولي قليلا، ثم قالت:
– أح، أنا داخلة ونامس الحمام.. و ظرك ضايق علي الوقت..
ثم أردفت و هي تغرق في ضحك هستيري:
– يمي صرتك يالرئيس الل لو نهارات عن يمس الماء.. كال عن طار لو الماء بيه ذ من وحلت المعارضة في الصرف الصحي..ها ها ها !
********
خرج ولد عبد العزيز إلى ردهات القصر الرئاسي، وقد ارتدى بذلة سموكن من Hugo Boss و حمل في راحته نظارات شمسية من موضة قديمة لـ Cartier .. أما القميص فلم يكن مكويّا بشكل جيد.. و قد هرول الوزير الأول بمجرد أن تراءى له خيال الرئيس ليسلم عليه بنصف انحناءة، ثم يهمس في أذنه:
– سيدي الرئيس.. هناك معلومة خطيرة يجب أن تطلعوا عليها.. لقد أبلغتني تحرياتي الخاصة أن مولاي ولد محمد لغظف كان يقرأ يوم أمس مقابلة صحفية لمحمد ولد مولود.
– نعم، أخبرني أحميدة بذلك.. سأتدبر الأمر..!
– سيدي الرئيس يمكنكم أن تسافروا مطمئنين على أنني سأكون طائعا لأوامر إبنكم احمدُّ، و سأكون حريصا على أن يرتاح افيل ولد اللهاه وهو يخوص بشراسة غمار القمار في “مازاكان”.. أعرف أن هدفي الأول هو راحة أسرتكم الكريمة و ثراءها، و أن الصرف الصحي و الحوار و شرف رئيس الجمهورية مجرد مصاصة يلهجها طفل الشعب لينام.. سفركم سعيد إلى أمريكا. و أعتقد أنه إذا كان الشعب الأمريكي ناضجا، و حريصا على أن يبني مستقبله، فلن يجد أفضل منكم خلفا لرئيسه المنتهية ولايته.
– صحيح.. و لكن الشعب الأمريكي غبي .. المهم، عليك أن تواصل تنفيذ خطتك لتفكيك المنتدى.. و أن يستمر الترويج لأكذوبة الحوار.. و تأكد أنني سألاحظ أي تقصير لك عن أداء المهام التي أوكلنا إليك.. لا يغرنك أن احميده ولد اباه سيرافقني، فسيترك ألف أذن صاغية، للتنصت عليكم.
– سيدي الرئيس، معاذ الله أن يكون هنالك تقصير.. أنا وزير أول ملتزم، و لست مولاي ولد محمد لغظف الذي يتحايل على تعليماتكم.. أنا أعرف أنكم لا تحتاجون لاحميده ليتنصت على مكالماتنا، فلا يخامرني شك في أنكم أولياء لله، كشف عنكم الحجاب.. فاعتبروني “مريدا” و “تلميذ خدمة”..

*******

خطا ولد عبد العزيز غلوتين في اتجاه ولد الرايس الذي كان منتصبَ القامة، مطأطئ الهامة، كأن على رأسه الطير، فصافحة بحرارة، ثم همس في أذنه:
– شفت عنك ما تصيب عني.. رغم كل كوارثك في البنك المركزي، ها انت تسافر معي إلى نيويورك وزيرَ اقتصاد.. مهما قالت الصحافة و المعارضة عنك و عن فضيحة بنك ولد مكيه فما أنا بالذي يتخلص من بيادقه الطيعة.. كان بإمكاني أن أتنكر لك كما تنكرت أنت لولد بوعماتو، و أقول: لقد احترقت ورقة التوت، و لكن مشكلتك أنك تعرف الكثير..
ـ ها ها ها.. سيدي الرئيس إنا خادمكم المطيع.. أنا حارس مغارة علي بابا الأمين.. ثقوا سيدي الرئيس في إخلاصي، و في أنني أكثر شطارة و نباهة من سيدي ولد التاه.. جربوني إن شئتم في أمريكا، فيمكنني أن أسرق الكحل من عيون جميلات هوليود دون أن يرف لهن جفن..
– ها ها ها.. ألا منين تصرك لي طرينيشة في صك تكيبر ذيك نعرف عنك أخف أيد من سيدي ولد التاه.. أنا في الحقيقة المهم عندي فيكم ألا خفة ليد…

*******

واصل ولد عبد العزيز خطاه الوئيدة فصافح وزير خارجيته حمادي ولد اميمو الذي ابتسم ابتسامة عريضة، كاد معها أن يفغر فاه، غير أن الرئيس أشاح بوجهه مكفهراً، وقال في سره “مسيكينه بنت الصوينع، كانت أنثى” .. و فجأة قفزت إلى ذهنه أنثى أخرى أسمها توت بنت الشيخان، فتحسس هاتفا في جيبه، و تذكر أنه نسي أن يحذف دردشته معها البارحة على الفايبر، ربما ستفحص تكيبر هاتفه كعادتها، فتقيم عليه الدنيا و لاتقعدها، وهما في الطائرة.. يضحك في سره و يقول: كم هو صعب أن تثور عليك تكيبر و قد علت طائرتك السبع الطباق.. تنظر من النافذة فترى بحار دخان، و تلتفت فترى تكيبر و هي تنقض لافتراسك كاللبؤة المُلمِع.
همس في أذن احميده:
– لاهي نعطيك هاتفي احذف منو شاتي مع صاحبتك ذيك.. و عنك اصّ كوبيه و مشيه لولد الغزواني.. انراعي فعلاقتك معاه ماهي واضحة .. و الل كاع خليه عنك..
ابتسم في سره للخطة التي تسللت لدماغه: سيشغلها بالحديث عن العقارات و سوق العملات و العمولات، و اقتناء النفائس من أسواق نيويورك.
ثم تقدم فصافح و لد باهيه و سيدي محمد ولد بوبكر .. و همس في أذن إسحاق الكنتي:
– أنت صحافتك ذوك.. جويريدة البديل و ذاك لخليق اللي معاك ما هم مهمين، و لا عندهم تأثير .. أنتومه أهل ليبيا إلا كثرة الحس .. ها ها ها.. أنت بيك حلاوة الدم واكف احذ ولد الرايس.. ها ها ها.. ايوه، اكتب عيّب الاسلاميين و وشوش تريكتك ذو المتوشوشين اعل المعارضة.. أح مانكم مهمين.. مانكم مهمين…
*******
اعتدل ولد عبد العزيز في جلسته على مقعد وثير في الدرجة الأولى، حيث جلست تكيبر محاذية له، و هي ترتدي نظارات سوداء…. إلتفتت يمنة و يسرة، ثم توجهت الى ولد عبد العزيز الذي كان يحاول أن يخفي تجهمه من ظلها الثقيل، قائلة:
– ما هذا الظلام الدامس؟!.. إياك أمللي كوراه ما نكطع عن الطايرة؟!
– اكلعي عنك البصارات الكحل الدايره.. منصابلك ما تشوفي شي
– خصارتك فيها صرتك.. ذو أمالهم بصرات من Chopard كيف الياقوت.. صرتك يدنهم يجننو كَورِيتْ أوباما..ها ها ها.
لم يعلق ولد عبد العزيز على ولع زوجته القاتل بالماركات العالمية.. غير أنه رأى أمامه عددا من مجلة فرنسية ضمن جرائد و صحف منضودة، أخذ المجلة ليتصفحها فرأى على غلافها صورة للجميلة الأمريكية كيم كارداشيان.. فغر فاه مشدودا لجمالها، ثم اخذ ينظر الى تكيبر التي كانت تقلب في كاتلوغ للعطور، ليطمئن على أنها لم تلاحظ انبهاره بشكل كارداشيان، ثم عاد يسرق النظر إلى الصورة:
– أوف.. هي أمريكا فيها ذ النوع..!
و فجأة غزا سمعه صوت شخير تكيبر و قد غطت في نوم عميق..!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى