السجين

السجين محمد المصطفى ولد بدر الدين «١»

أحد الوجوه البارزة على مستوى الساحة السياسية الوطنية … ومن الشخصيات المؤسسة لما كان يعرف بالحركة الوطنية الديمقراطية.

… و ارتبط اسم الرجل في بداية تاريخه النضالي بنقابة المعلمين العرب و فيما بعد بجميع قضايا الوطنية ذات العلاقة بالوحدة الوطنية و المساواة الاجتماعية.

و لعل من بين الأمور التي ساعدت في خلق مثل هذه الشخصية بالإضافة إلى القناعات المبدئية الثابتة و الجرأة السياسية الفائقة كونه ظل الرجل العام لحركته منذ أن كانت في السرية، مما أكسبه خبرة واسعة في طرق كسب الجماهير و توعيتها (و القدرة على المناورة السياسية).

يمتاز الرجل بالهدوء و اللباقة في المعاملة، فقلما يلاحظ المرء تقلبا في حركة أمواج هذا البحر الواسع مهما بلغت قوة العواصف !! و لكن مع ذلك تبقى قوة الإرادة و الصرامة و صلابة العزم صفات ملازمة له.

دخل السياسة من باب النقابة، حيث شارك في تأسيس نقابة المعلمين العرب سنة 1960 و انتخب في مكتبها التنفيذي قبل أن يصبح نقيبا للمعلمين عام 1966 إلى غاية 1969، في هذه المرحلة كانت اهتماماته قومية، إذ انتمى إلى مجموعة تضم: محمدن ولد إشدو، أحمد ولد عبد القادر، المرحوم سيد محمد ولد السميدع و محمدو الناجي … إلخ.

و قد لعبت هذه النقابة دورا بارزا في ترقية و ترسيم اللغة العربية و تحسين أحوال العاملين بها، غير أن هذا الطرح اصطدم أحيانا بمشاعر الأقليات القومية، مما كان له أثر سلبي في أحداث 1966 التي تمثل دور المصطفى ولد بدر الدين فيها بالجانب التحريضي إذ كان أيامها طالبا في القاهرة فبعث من هناك بقصيدة مطلعها:

لو يشبع الشعر حاجات المساكين           بعثت منه لقومي بالدواوين

إلى أن يقول:

شنقيط تغرق والأخطار تهدمها           تشكو إلى بسطاء العقل و الدين

باتوا يغطون كالخرفان في  بله             و الشر يقرب من حين إلى حين

ما قام يدفع  عنها غير  منتفع                   بالدين  يدفعه  حب  القرابين

إن يدع للوطن الغالي يقل هلعا               الدين  الدين  يا  للدين  واديني

أو يدع  للدين يحميه يقل جزعا               للدين رب سيحميه و  يحميني

إلى أن قال:

أو كنت  اودعت بالمظروف قنبلة             فيها من الموت ما يكفي لتسعين

و لكن بعد عودته من مصر أجرت المجموعة مراجعة مؤلمة على تجربة 66 محليا و حرب الأيام الستة من سنة 1967 إقليميا، و على أساس هذه المراجعة قررت المجموعة في اجتماع عقد بتكوماج (القرية الواقعة على بعد حوالي 50 كلم جنوب كيهيدي) حضره إلى جانبه سيدي محمد ولد السميدع، محمدن ولد أشدو، أحمدو ولد عبد القادر، و محمد عينين ولد أحمد الهادي بتاريخ 1968/04/04، و كان هذا الاجتماع هو الاجتماع التأسيسي للحركة الوطنية الديمقراطية التي كانت تدعى آنذاك “الحركة الديمقراطية الوطنية” و قرروا العدول عن الطرح القومي للقضايا الوطنية، إذ ارتأت أن هذا الطرح لا ينسجم مع حقائق الشعب الموريتاني المتعدد الأعراق، و من ثم قررت انتهاج الطرح الديمقراطي (الطبقي) الذي ينظر إلى التناقض الرئيسي على أنه تناقض بين الاستعمار و حلفائه من جهة و الجماهير (الموريتانية المكونة من مختلف القوميات) من جهة أخرى.

و بهذا تكون أطروحة الاستقلال و الدفاع عن الثقافة الوطنية ـ بما فيها ثقافة الأقليات القومية ـ مستجيبة لمصالح و مطامح غالبية المواطنين الموريتانيين … هكذا قررت المجموعة تكوين حركة من مختلف القوميات، إذ رأت أن حركة من قومية واحدة ـ قررت مطالب قومية واحدة لن تؤدي إلا إلى مثل أحداث 66، و قد جاءت أحداث ازويرات سنة 68 التي كانت هذه المجموعة على صلة وثيقة بها عبر ممثلها سيدي محمد ولد السميدع لتدعم توجههم الجديد، هذه الأحداث التي يعتبرها الكثيرون بداية النشأة الفعلية للحركة الوطنية الديمقراطية.

يقول السجين:

أول تجربة لي في السجن كانت صباح يوم 22 يوليو 1968 حوالي الساعة الثامنة حينما دخل إلى بيتي ـ الواقع في حي (آ ) شمال ثانوية البنات ـ المفوض المركزي “سيدينا ولد الحاج ابراهيم” و طلب مني مرافقته إلى مكتب قاضي التحقيق الذي كان يدعى “كن الحسين” و في مكتب قاضي التحقيق أخبرت بأنني متهم بتوزيع منشورين أحدهما يحمل توقيع المكتب التنفيذي لنقابة المعلمين العرب و الآخر لا يحمل أي توقيع، و يتناولان أحداث ازويرات … بسرعة أجبته عن مسؤوليتي عن ما يسميه هو منشورا و أسميه أنا بيانا لمكتب شرعي لنقابة معترف بها هي نقابة المعلمين العرب التي كنت نقيبها آن ذاك (أمينها العام) و لكن القاضي رد علي و كأنه يقرأ نصا مكتوبا.

“إنك متهم بتوزيع منشورات غير مرخصة بالاشتراك مع آخرين، و ذلك منذ حوالي شهرين، و على كل حال منذ أقل من ثلاث سنوات، و عليه فإنني أعلن لك أنك رهن الاعتقال ابتداء من الآن” … بعد إجراءات قصيرة (السؤال عن حالتي العائلية و عما إذا كنت سأوكل محاميا) كنت في طريقي إلى السجن في لكصر، كان عبارة عن مبنى مكون من ثلاث غرف ضيقة، و كنت و زملائي الخمسة: محمد المختار كاكيه، أحمد بيلا باه، محمدو الناجي و أحمد ولد عبد القادر الذي قدم نفسه إلى قاضي التحقيق دون استدعاء تضامنا مع زملائه في المكتب التنفيذي للنقابة في غرفة محاذية لمرحاض تهب منه على الدوام روائح كريهة … كان الزمن صيفا و كانت الحرارة و الرطوبة شديدتين في نواكشوط.

و بعد يومين من مقامنا في السجن دخل علينا نفس المفوض ليرافقني إلى المنزل و كان ذلك حوالي التاسعة صباحا و أجرى تفتيشا دقيقا لغرفة نومي و كانت آخر جملة ضمنها محضره قوله: “لم نعثر على أي عنصر ينير طريقنا”.

لقد ألح علي زملائي، و خصوصا محمدو الناجي، بعد حوالي سبعة أيام من مقامنا في هذا السجن أن نقوم بعمل ما للفت الأنظار إلى قضيتنا و التعبير عن احتجاجنا على هذه الوضعية… بعد دراسة الأشكال النضالية التي يمكن أن نقوم بها، و بالتشاور مع زملائنا في النقابة ـ الذين كنا على اتصال غير مباشر بهم ـ قمنا بإضراب عن الطعام لمدة سبعة أيام انتهينا بعدها إلى المستشفى في حالة صحية سيئة … و قد وضعنا في جناح خاص من هذا المستشفى الذي كان أيامها أقرب إلى الفندق منه إلى المستشفى نظرا لنظافته و جودة الخدمات فيه … أذكر أننا كنا تحت إشراف طبيب فرنسي يمر علينا كل يوم سائلا عن صحتنا و عن ما نحتاجه من علاج.

و ذات مرة أجابه أحمدو ولد عبد القادر بقوله: إننا اليوم بحاجة إلى أقراص لاسترجاع حريتنا فأجابه الطبيب: ضاحكا: “تلك الأقراص لا توجد في هذه البلاد”.

و بعد أن قضينا عدة أيام في هذا المستشفى وضعت في طائرة متوجهة إلى كيهيدي حيث أودعت السجن هناك لمدة شهرين كاملين، علمت فيما بعد بأن زملائي قد وزعوا على النحو التالي:

ـ أحمدو ولد عبد القادر سجن كيفه، محمدو الناجي سجن بوكي، أما محمد المختار كاكيه و أحمد بيلا باه فقد بقيا في نواكشوط مع ظروف مخففة (خصوصا بالنسبة لكاكيه) في سجن كيهيدي استقبلني قائد الحرس محمد فال ولد ببكر سير و زوجته بحفاوة بالغة، حيث كنت طوال شهرين موضع تكريم لم يتوقف يوما واحدا، غير أني كنت منقطعا عن العالم الخارجي، فوسيلة الاتصال الوحيدة كانت الإذاعة، و قد منعت حتى من زيارة المستشفى، و هناك حادثة غريبة هي أنني أصبت بالإمساك المزمن و طلبت من قائد الحرس أن يصحبني إلى المستشفى فأرسل معي أحد أعوانه، و عندما وصلنا إلى نواحي مبنى الولاية شاهدني صدفة الوالي آنذاك، و هو الآن رئيس أحد الأحزاب الوطنية، فبعث إلي بفرقة من الحرس لتعيدني أدراجي بصفتي شخصا لا حق له في العلاج لأني سجين معارض… كنت أتابع عن طريق الإذاعة و عبر وسائل أخرى وبسرور بالغ أنباء حركات التضامن معي و مع زملائي في مكتب نقابة المعلمين العرب، فقد اجتمع عدد كبير من المعلمين في نواكشوط و قرروا توكيل محام سينغالي يدعى “بابكر اننك” دفعوا له مبلغا ماليا كبيرا، كما اجتمع المعلمون في كل من كيفه و لعيون و أبي تلميت و مقطع لحجار للتعبير عن تضامنهم معنا، و في دمشق قام اتحاد الطلاب الموريتانيين بقيادة المحجوب ولد بيه بتنظيم حملة تضامن، و أثناء زيارة قام بها المختار ولد داداه إلى دمشق استقبلوه بمظاهرات وزعوا خلالها بيانا ضد سياسته مطالبين بتحرير المعتقلين النقابيين، و في عمان أصدر مكتب نقابة المحامين العرب قرارا يطالب الحكومة بإطلاق سراح المعتقلين، و قد أذيع هذا البيان في النشرات الرئيسية لإذاعة صوت أمريكا و إذاعة لندن.

و في نواكشوط قامت مجموعة من الشباب بتحرير منشور يندد باعتقالنا، إلا أن المخابرات استطاعت مصادرته و هو تحت السحب و اعتقلت لهذا السبب مريم بنت لحويج و محمد الأمين ولد يحي و آخرين.

و قد استاءت الحكومة لهذه التحركات، فبعد اجتماع المكتب السياسي لحزب الشعب الموريتاني منتصف أغسطس 1968 صدر بيان يندد بما أسماه “حملة تحركات و مشورات معادية للوطن” إلا أن القرار الذي لم يعلن عنه هو تقديمنا إلى المحاكمة قبل نهاية العطلة الدراسية خوفا من تحركات مدرسية محتملة.

و بعد يومين من صدور هذا البيان وضعت في طائرة متوجهة إلى نواكشوط، و في المطار استقبلتني حافلة للشرطة و اتجهت بي إلى المفوضية المركزية حيث وجدت أمامي كلا من : أحمد ولد عبد القادر و محمد الناجي و أحمد محمود ولد خيري، و قد رأيت في إحدى زوايا المفوضية مريم بنت لحويج و محمد الأمين ولد يحي و جماعتهما و آثار التعذيب بادية على أجسادهم.

و في المفوضية كانت زوجتي أول من زارنا … نقلنا إلى قيادة الدرك بالعاصمة حيث وضعنا في غرفة شديدة الضيق بدون نوافذ … كان الزمن بداية أكتوبر حيث الرطوبة و الحرارة شديدتان إلى درجة اضطرارنا معها إلى خلع ملابسنا ما عدا الضروري منها، و بعد يوم كامل و نحن في هذه الوضعية و حوالي الساعة السادسة مساء سمعنا صرير المفتاح و إذا بالباب يفتح بعنف و يطل منه شاب قوي البنية حليق الرأس يرتدي بزة دركي، طلب منا الخروج إلى الساحة لاستنشاق الهواء النقي و بسرعة اختفى و عاد يحمل أدوات الشاي ثم خاطبني باسمي قائلا: أعرف أنك تجهلني و لكني أعرفك و لي معك قصة سأحكيها لك أثناء الشاي.

جلس الدركي يقدم كؤوس الشاي و هو لا يتوقف عن الحديث غير مبال بموقف رؤسائه، و من بين ما قال: “لقد كنت عرضة لتحويل تعسفي عندما كنت معلم فرنسية في كيفه، و تحت تأثير وطأة التعسف تذكرت أنني سمعت من زملائي “معلمي اللغة العربية” أن هناك نقابيا في نواكشوط شديد الغيرة على حقوق المعلمين فذهبت إلى البريد بعد أن أخذت العنوان و أرسلت إليك برقية أطلب فيها تدخلك و بعد يومين وصلت إلى المفتشية رسالة بإلغاء تحويلي، كما وصلتني في نفس اليوم برقية منك تطمئنني بالبقاء في مكاني، و علق ضاحكا: أرأيت أن ذلك لم يكن عبثا … هكذا بتنا في ضيافة مناضل نقابي في ثياب سجان، و في الصباح الباكر و صلنا إلى المحكمة لنقف في قفص الاتهام بقصر العدالة القديم … كانت القاعة تتسع لحوالي مائتي مشاهد و كان القاضي و يدعى تانجا يوسف جالسا بين رجلين بالإضافة إلى وكيل الجمهورية الذي كان وقتها عثمان سيد أحمد اليسع (على ما أعتقد) و لم تكن قاعة المحكمة مليئة بالمشاهدين و لم أتعرف على كثير من أصدقائنا داخلها.

كانت لغة القاضي فرنسية لم نتمكن من فهمها بشكل دقيق و كان المترجم و يدعى على ما أعتقد عبد القادر جكتي ـ سيئ الترجمة يتكلم الحسانية بصعوبة، و أتذكر أنني عندما اعترضت على طريقته في الترجمة استشاط غيظا، و مما قال “أنا رجل محلف أشغل هذه الوظيفة منذ ثلاثين سنة” أما القاضي فقد بدأ منذ البداية هادئا كأنما يقوم بعمل روتيني لا معنى له، و أما نحن فلم نتخذ خطة دفاع جماعي و لا فردي و لم ننسق مع محامينا و لم نكن واثقين من بعضنا، إذ ظهرت دلائل التراجع على واحد منا على الأقل، أما بقية الجماعة فكانت متضامنة.

بدأت المحاكمة إذن بقراءة نفس الاتهامات التي قدمها قاضي التحقيق، و هي توزيع منشورات غير مرخصة، و تمثل دفاعنا في توضيح أن بيان نقابة المعلمين العرب لا يمكن اعتباره منشورا، سألنا القاضي عن كيفية توزيع هذا البيان فأجبناه بأننا أرسلنا منه نسخا إلى جميع فروع النقابة في الداخل بالإضافة إلى نسخة للحكومة و أخرى إلى اتحاد العمال الموريتانيين الذي نحن عضو فيه، و استنتج القاضي “إذن لقد وزعتموه في جميع البلاد”.

و بدون أن ينسحب للمداولات أعلن أنه حكم علينا بالسجن المعلق لمدة ثلاثة أشهر (الفترة التي قضيناها في السجن).

و عند خروجنا من السجن وجدنا قرارا بطردنا جميعا من الوظيفة العمومية ابتداء من تاريخ اعتقالنا و لمدة ثلاثة أشهر، و تم تحويلنا إلى أماكن نائية من البلاد، محمد ناجي حول إلى بوصطيلة، أحمدو ولد عبد القادر حول إلى أجار و حولت أنا إلى غابو و حول أحمد بيلا باه إلى كيفه، أما الزميلان الباقيان فلم يتعرضا للإبعاد.

تلك هي تجربتي الأولى في السجن … و كانت أول تجربة لحركة المعارضة بعد أن خبت حركة النهضة و حركة النعمة، و كانت تجربة جديدة فلم أكن أعرف ماذا يعنيه السجن و لم أكن أهتم بأن أسجن أو لا أسجن، كنت أهتم فقط بأن أقوم بما ينبغي أن أقوم به.

فقد يعود هذا إلى الحماس أو إلى انعدام التجربة أو طبيعة المرحلة (حركات التحرير في فلسطين و فيتنام … إلخ) و من أهم الخواطر التي كانت تنتابني في السجن الخوف على مصير رفاقي، الخوف من أن يسجنوا أو يضعفوا أو يخونوا، و كان لاعتقال مريم بنت لحويج وقع خاص علي، خاصة حينما رأيت آثار التعذيب بادية عليها، تخوفت من أن أكون مشاركا في المسؤولية عن المتاعب التي تعرضت لها، و أتساءل الآن هل كانت رؤيتي لها محض صدفة أو محاولة تأثير؟

و كخلاصة عامة فإن أفضل خبر يتلقاه السجين هو استمرار قضيته، و أسوأ خبر يتلقاه هو خسارة قضيته وخيانة زملائه.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى