السجين

السجين محمد المصطفى ولد بدر الدين «٣»

… كانت المحاكمة الماضية و الأحداث التي سبقتها و رافقتها حلقة بارزة في الصراع الدائر بين الحكومة و المعارضة التي أخذت تتسيس بشكل واضح، و كان الفرق بينها و بين محاكمة /68 واضحا، فبينما كان رئيس المحكمة و وكيل الجمهورية في المحاكمة الأولى لا يعيران اهتماما كبيرا للإجراءات كان العكس في المحاكمة الأخيرة حيث وفرت للمتهمين و محاميهم فرص الدفاع كاملة كما اهتمت النيابة من ناحيتها بتوفير الأدلة لإثبات اتهامها، و قد كان الحكم نتيجة بحث عن الحقيقة.

كانت المعارضة إذن تتشكل في ذلك الوقت مما عرف بحركة الكادحين و جماعة قليلة من القوميين و قد اتجهت إلى تسييس الصراع ضد الحكومة، إذ تبنت المطالبة بإلغاء اتفاقيات التبعية مع فرنسا و تأميم الشركات المتعددة الجنسيات (ميفرما، سوميما، إيمابيك)، و إنشاء عملة وطنية، كما تبنت المطالبة بإطلاق الحريات الأساسية (حرية العبير و النشر و التنظيم)، و كذا احترام حقوق الإنسان، و شكلت صفحات “صيحة المظلوم”، التي لم تتوقف مرة واحدة عن الصدور، المكان المناسب لنشر و تعميم تلك المطالب، كما عرفت المعارضة صراعا مريرا بين القوميين و الكادحين في صفوف التلاميذ و الطلاب و حتى في الشوارع أثناء الحملات الشهيرة التي كان ينظمها شباب الكادحين لإسعاف الأهالي المتضررين من الجفاف و العطش و الأمية.

و ليس الجو الذي ساد المحاكمتين ببعيد عن الجو السياسي العام السائد في الحالتين حيث كان ميزان القوة في الحالة الأولى مائلا لصالح الحكومة فدارت المحاكمة لصالحها، بينما كان في الحالة الثانية مائلا لصالح المعارضة فجاء الحكم لصالحها.

و الواقع أن الحكومة استنتجت درسا من هذه المحاكمة، حيث فهمت أن القضاء لم يعد صالحا كأداة لإسكات المعارضة المتنامية، و هو ما جعلها تغير استراتيجيتها في التعامل مع هذه الأخيرة.

بعد إطلاق سراح المعتقلين اتجهت الأنظار إلى الخطوة التالية من طرف الحكومة، كما من قبل المعارضة، أما الحكومة فقد أصدرت بعد ثلاثة أشهر قرارا بالتهدئة أعادت فيه جمع المفصولين من الموظفين و العمال – الذين أضربوا تضامنا مع قيادتهم النقابية – إلى وظائفهم، كما قررت في نفس الوقت إدماج جميع النقابات في حزب الشعب الموريتاني دون أخذ رأي العمال في هذه المرة بالرغم من معارضتهم الواضحة من خلال المؤتمرات السابقة.

و في ذلك الصيف أنشئت جريدة “صيحة المظلوم” لسان حال الحركة الوطنية الديمقراطية، وصدر أول منها في يونيو 71 مما اعتبر حدثا مهما في تاريخ تلك الحركة، إذ تمكنت من تنظيم و توحيد الخلايا و قيادتها و ربط أفرادها فيما بينهم.

بلغت الحملة الحكومية ضد الكادحين أشدها عندما استطاعت أن تجند رجال و نساء حزب الشعب، كما تمكنت من تعبئة بعض أئمة المساجد بالإضافة إلى جماعة القوميين، و قد لعبت ” صيحة المظلوم” التي تعتبر مرجعا أساسيا في هذه الفترة من تاريخ المعارضة دورا حاسما في التصدي لتلك الحملة و إفشالها، يقول: السجين: في هذا الخضم و في شهر نوفمبر 71 قام عمال (مفيرما)، لأن “سينم” لم تنشأ بعد، في نواذيبو بإضراب لدعم مطالبهم، و تضامنا مع ذلك الإضراب نظمت مظاهرة في نواكشوط انتهت بمهرجان في الساحة الواقعة جنوب “لبلوك” الأول، تناولت فيها الكلام باسم المتظاهرين و شرحت مطالب العمال و أعلنت تضامن المتظاهرين مع حركتهم، و في اليوم التالي تلقيت قرارا بتحويلي و تحويل زوجتي، التي هي الأخرى معلمة، إلى باسكنو و كانت تذاكر السفر بالطائرة قد أعدت لنا و لأطفالنا الثلاثة، و كنت آنذاك معلما في المدرسة رقم 8 بالعاصمة، بعد أن فقدت وضعيتي كأستاذ متدرب في المدرسة العليا للأساتذة، ذلك أنه بعد أن قضيت أربعة أشهر في السجن لم يسمح لي بالعودة إلى المدرسة بل عرضت علي منحة في تونس إلا أني رفضت الذهاب تضامنا مع بعض زملائي الذين مازالوا مطرودين من العمل (محمدن ولد باكا، محمدن ولد إشدو، و المفيد ولد الحسن …إلخ)، و عندما أعلنت الحكومة إجراءات التهدئة و عودة المفصولين كان الوقت قد فات و لم يبق أمامي إلا العودة إلى التعليم بوصفي معلما.

التحقت بعملي في باسكنو كمدير لمدرستها الابتدائية، و لم أجد صعوبة في التكيف مع القرية الجديدة و الجو الجديد، و قد جرت الأمور طوال السنة الدراسية 71 – 72 بشكل هادئ و عادي و عندما أغلقت المدارس أبوابها – نهاية يونيو 72 كان على أن أعود بالأسرة إلى نواكشوط لقضاء العطلة و الاطلاع على الأحوال، و نظرا لما يتطلبه هذا الرحيل من مصاريف كبيرة فضلت بعد الوصول إلى مدينة كيفه – أن أذهب برفقة ابني الأكبر “محمد فوزي” – (سمي الجنرال محمد فوزي قائد حرب الأيام السبعة 67) – عن طريق السيارات إلى كيفه و أن تستقل زوجتي و باقي الأبناء الطائرة إلى هناك، و قد وصلت الأسرة قبلنا بيومين إلى كيفه، و كان الفصل فصل الكيطنة ففضلت ترك الأسرة هناك لتستريح قبل افتتاح المدارس و توجهت أنا إلى نواكشوط. و في طريقي علمت أن مجموعة من الطلاب تم تجنيدها إجباريا من بينها يعقوب جلو و التجاني ولد كريم و كان انجاوار، و بعد أن رفضوا الانصياع لأوامر التجنيد تم اعتقالهم و نقلهم في طائرة عسكرية إلى بير أم كرين لسجنهم هناك، و كان واضحا أن الجو مكهرب تلك الأيام في العاصمة، و بالرغم من نصيحة بعض الأصدقاء بعدم مواصلة الرحلة تابعت طريقي و وجدت الوضع إذ ذاك على النحول التالي:

على مستوى النقابات ظل حزب الشعب متمسكا بقراره بإدماجها، و لكن من الداخل، و كان يقود هذا الجناح لادجي اتروري، و لكن جماعة الحركة الوطنية الديمقراطية (مجموعة صيحة المظلوم) عارضت ذلك و كان موقفها هو الذي ساد في النهاية في صفوف المعارضة.

و على مستوى الطلاب كانت المظاهرات و الاعتصامات مستمرة، كانوا يطالبون بزيادة المنح و توفير التأمين و السكن للطلاب و يحتجون على التجنيد الإجباري لزملائهم، و قد رفضت غالبيتهم الالتحاق بالجامعات في الخارج قبل تلبية هذه المطالب.

و على مستوى الحركة فقد تم رسم خطة للمواجهة على جميع الأصعدة السياسية و التنظيمية.

كانت السنة الدراسية 72 – 73 تقترب مؤذنة بموجة جديدة من المواجهات بين الحكومة و المعارضة، و في أثناء ذلك نظمت المدرسة العليا لتكوين الأساتذة مسابقة لتكوين مفتشين و نجحت فيها لكنني لم ألتحق بها لأن الأحداث كانت تتلاحق بسرعة، فقد وصلت أسرتي من كيفه بعد أن أبعدها الحاكم، الشيخ ولد عبد العزيز بالقوة، و ذلك لمجرد أنها عائلتي، و في تلك الفترة وضعت زوجتي طفلها الرابع (عبد الله) و كان ضعيف البنية و أدخل المستشفى مع والدته.

و في 4 أكتوبر و عندما كنت مشغولا ابني محمد فوزي في المدرسة داهمتني سيارة لاندروفر بالقرب من مركز البريد و كان بداخلها محمد ولد اميشين مدير المخابرات آنذاك و بصحبته رجل كبير الجثة كث الشعر لا أرعف اسمه فنزلا من السيارة و أخبرني محمد ولد اميشين بأني مطلوب من قبل إدارة الأمن فأعرضت عن الذهاب معهما لكن الرجلين حملاني بالقوة و أدخلاني في السيارة.

في المفوضية المركزية التحق بي محمدو الناجي القادم لتوه من تونس، و كان طالبا فيها و أقمنا في المفوضية يوما و ليلة، و حوالي الساعة السادسة من صباح اليوم الثاني نقلنا إلى مطار نواكشوط حيث كانت تنتظرنا طائرة صغيرة تسمى “كلودك” يقودها طيار فرنسي، كان في وداعنا والي نواكشوط خطري ولد دحود بالإضافة إلى أربعة من الحراس الذين رافقونا، عندما حلقت الطائرة في سماء العاصمة في اتجاه المجهول، كانت سحب الرذاذ ما تزال متراكمة فوق نواكشوط حاجبة كل معالمها البارزة، شعرت برغبة جامحة في إلقاء نظرة وداع أخيرة عليها، كان المستشفى الذي يرقد فيه ابني و أمه أهم ما أريد أن أراه لكن عبثا حاولت، فحالة الطقس و الوقت المبكر حالا دون ذلك، أحسست لأول مرة في سجوني بالإشفاق على عائلتي، تتابعت الهواجس حول مصيرها، الولد الراقد في المستشفى، الولد الذي ألقيت به في المدرسة السابعة يوم أمس و هو لا يعرف المدينة جيدا، الأم التي كانت تسكن عند “آل خباه” لعدم توفر مسكن، و مصيرها المهني هل ستنجح في البقاء بنواكشوط؟ أم سيحولونها إلى بلدة نائية؟ و كيف تتصرف اتجاه تلك المشاكل؟.

كانت سياسة الحكومة في تلك الفترة قاسية مع الموظفين المعارضين، فعندما يتهم أحدهم بمخالفة سياسية يحول إلى أحد المراكز النائية، و عندما يتأخر في الالتحاق بمقر عمله يعلق راتبه و يطرد هو و عائلته من المسكن بالقوة، و كذلك كان يعامل المعتقلون أيضا، لم تكن زوجتي في يوم من الأيام من الناشطين السياسيين في المعارضة مع مناصرتها العاطفية لها، كان اهتمامها منصبا من حيث الأساس على شؤون أسرتها، و مع ذلك فقد حولت معي إلى باسكنو بدون طلب منها، كما رحلت من كيفه و هي في حالة حمل متقدمة، فمن المتوقع أن لا يرحموها هذه المرة.

توقفنا في مطار لعيون في طريقنا إلى تامشكط، استقبلنا حاكمها العرب ولد كركوب الذي نقلنا إلى مقره في القلعة الاستعمارية التي ما تزال مقرا للإرادة المحلية. و في تامشكط بقينا لمدة أسبوع في ظروف حسنة، و ذات صباح أخبرني الحاكم أني محول للإقامة الجبرية في بومديد دون أن يسلمني أي قرار مكتوب بذلك، كما لم يسلم أي قرار لمحمدو الناجي، عندما طلبنا منه بإلحاح تسليم القرار أخبرني بأني سأجده أمامي لكني لم أجده طوال فترة الإقامة الجبرية، كما لم أطلع لا أنا و لا زملائي طيلة فترة الإقامة على النص القانوني المشرع لتلك الإقامة الجبرية، كنا نعتبر أنفسنا سجناء بمقتضيات قانون “لتفتار” و عندما نعلن ذلك أمام السلطات – خصوصا الحاكم – يتميزون غيظا و لكنهم لا يجدون أبدا الرد المناسب علينا ما عدى تشديد الرقابة و ظروف الإقامة.

في بومديد حيث بقيت شهرا تقريبا كنت في ضيافة المرتجى ولد مولاي أحمد (الحاكم آنذاك) و قد استقبلني استقبالا حسنا و اختار لمرافقتي حرسيا – الدي ولد هنون – كنت على سابق معرفة جيدة به و أسكنه معي في بيت مريح، كان الزوار يتوافدون علي بدون توقف أو حرج و من بينهم المعلمون و المتعاطفون مع المعارضة، دعاني سعدنا ولد الشيخ محمد عبد الله ولد آده لغداء معه في بومديد القديم و ذلك بحضور الحاكم، كما دعاني جميع وجهاء القرية.

و إذا كان مقامي في بومديد شبيها بوضعية من هو حر إلا أن الأمر تغير فيما بعد، لقد أدت تلك الوضعية التي وفرها الحاكم لي بالإضافة إلى وجود مجموعة من المعلمين الديمقراطيين – باب ولد ابك و محمد امبارك ولد اسويلم زيادة على كون السنة الدراسية 71 – 72 سنة جفاف نزح فيها سكان الريف إلى المدينة بعد أن فقدوا قطعانهم من الماشية مما جعلهم مستعدين لاستقبال خطاب المعارضة، أدى كل ذلك إلى خلق وضعية تحريضية في بومديد نفسها نسبت من طرف الإدارة و بعض رجالات حزب الشعب إلى وجودي هناك.

و قد أوعز هؤلاء إلى السلطات العليا بنواكشوط بخطر مقامي هناك، حيث تلقى الحاكم أمرا سريا بوضعي تحت الإقامة المحروسة المشددة و منعي من استقبال الزوار، لكن الحاكم طبق تلك الأوامر بمرونة قصوى الأمر الذي حدا بوالي لعصابة و هو آنذاك عبد الله ولد الشيخ ولد أحمد محمود لزيارة بومديد و تحذيري بعد أن أنب الحاكم على معاملته الحسنة لي و تسامحه في متابعة النشاط السياسي الذي أقوم به في البلدة.

انتهزت فرصة المقابلة لأشن هجوما شديدا على طريقة اعتقالي و اعتقال زملائي بصورة لا تتماشى مع أبسط قواعد الاعتقال في دولة تدعي أنها دولة “القانون”، و قدمت كأدلة على ذلك عدم وجود اتهامات و المنع من زيارة الأهل و أخبارهم، و قارنت وضعيتي و زملائي “بالحالة في جنوب إفريقيا”، و قد رد علي الوالي قائلا: “إن الذنب في اعتقالكم يقع عليكم وحدكم” لأنه حسب قوله “لم يكن هناك خطأ عندما تم اعتقالنا لأن الحكومة رشيدة و مستقيمة و لا يمكن أن تعتقل أحدا إلا إذا كان مجرما”، مع أن أسلوبه في الخطاب كان مهذبا إلا أنه من حيث المحتوى كان يعبر عن فلسفة الحكومة في تلك الأيام، تلك الفلسفة التي لم تتقيد في معاملاتها مع المعارضين بالإجراءات القانونية.

ما إن عاد الوالي إلى كيفه حتى جاء أمر من نواكشوط بإعادتي إلى تامشكط مرة أخرى لأجد أمامي رفاقي: المصطفى ولد اعبيد الرحمن، دفا بكري، لادجي اتروري، و محمدو الناجي الذي تركته هناك، و كان منزلنا جميعا في القلعة التي يوجد بها منزل و مكتب الحاكم، و قد وضعونا في منزل مريح نسبيا كان معدا أصلا للضيوف الحكوميين.

وضع الحاكم تحت تصرفنا طباخا يدعى “أرد” بالإضافة إلى الحرس الذين كانوا مكلفين برقابتنا، في البداية لم يكن يسمح لنا بالخروج من القلعة، و لكن بعد إلحاحنا انتهى الحاكم بقبول خروجنا بثلاثة شروط:

1 – أن لا نخرج في اليوم إلا مرة واحدة
2 – أن نتجه إلى وجهة خالية من السكان
3 – أن يكون برفقتنا الحرس و بأيديهم أسلحتهم

قبلنا تلك الشروط و استقر حالنا على هذا النظام بدون حوادث تذكر، كان يومنا الرتيب يبدأ بتناول الشاي أو القهوة و اللبن في الصباح، كان منا من يفضل القهوة دائما (دفا بكري و لادجي تروري) و منا من يفضل اللبن (محمدو الناجي) أما أنا و المصطفى ولد اعبيد الرحمن فكنا غالبا ما نفضل الشاي مع أننا كنا نتناول القهوة في بعض الأيام و ربما شربنا الشاي و القهوة معا، بعد الفطور كنا نقوم حوالي الساعة التاسعة و النصف بالتنزه خارج القرية، كانت رحلتنا في الأيام الأولى قصيرة و لكنها كانت تطول في كل يوم حتى كنا لا نعود قبل الحادية عشرة، حيث وقت “أطاجين” الذي كان غالبا إدامه من لحم البقر المطبوخ مع الخبز المحلي، و بعده ننكب على مطالعات فردية بالرغم من عدم توفر الكتب معنا و كذلك الجرائد إلا أننا كنا نستعمل مكتبة الإدارة الموروثة عن عهد الاستعمار، فهناك تقارير إدارية و كتب تاريخية و سياسية و استراتيجية، فضلا عن بعض المجلات القديمة، كما كنا نستعير بعض الكتب من رجال القرية.

و في الظهر كنا نتغدى الساعة الواحدة، و كان طعامنا على الدوام الأرز الأبيض مع اللحم، و في أثناء الغداء و الشاي كنا نستمع إلى الإذاعة و بصورة عامة كنا نفضل جميعا إذاعة فرنسا الدولية في برنامجها 24 ساعة في إفريقيا و الذي كان قليلا ما يتناول الأحداث في موريتانيا، هذا بالإضافة إلى إذاعة لندن التي كنت أستمع إليها على الدوام مع محمدو الناجي و خاصة برنامجها عالم “الظهيرة”، و تجدر الإشارة إلى أني و زميلي محمدو الناجي كنا نجد صعوبة في متابعة الإذاعة باللغة الفرنسية في البداية نظرا لجهلنا النسبي بتلك اللغة لكن و مع الزمن و بمساعدة زملائنا المتفرنسين في السجن تغلبنا على أهم الصعوبات في متابعتها، و العكس صحيح بالنسبة لزملائنا المتفرنسين و خصوصا ولد اعبيد الرحمن مع اللغة العربية حتى أن لادجي تروري و هو أكثر القوم جهلا باللغة العربية صار يتابع المسلسل الذي تقدمه إذاعة لندن، و كان لا يفتر عن تذكيرنا بأوقات بث المسلسل مما جعلنا نتأكد من أنه على الأقل أصبح يعرف من اللغة العربية كلمة “مسلسل”.

بعد الغداء و الاستماع إلى الإذاعة كان بعضنا ينام و بعضنا يستريح فقط حتى الساعة الثالثة و النصف أو الرابعة حيث نستأنف المطالعة، و في بعض الأحيان نلعب الورق أو “داميا” و في الخامسة نتناول شاي المساء “الذهبي” … كانت أطول الفترات و أكثرها مدعاة للاكتئاب فترة المساء، حيث يقبل الظلام ليلف تامشكط كلها بسواده السميك فلا مطالعة و لا نزهة و لا لعب لفترة تبدأ من السابعة و النصف مساء حتى السادسة و النصف صباحا في بعض الفصول أي حوالي إحدى عشرة ساعة من السكون التام … كنا نستمع إلى الإذاعة حتى وقت متأخر من الليل لننام نوما غير لذيذ و غير عميق.

بعد فترة من الإقامة الجبرية في تامشكط و الانقطاع عن أصدقائنا و ذوينا بدأنا نشعر بالضيق ففكرنا في طريقة لفك العزلة المفروضة علينا، لقد علمنا أن في القرية مناصرا للمعارضة هو الكيحل ولد محمد العبد (المدير السابق لمدرسة المعلمين بنواكشوط) فأخذنا نفكر في الاتصال به و لم يكن أمامنا من وسيلة إلا الطباخ الذي يبدي منذ وصولنا الكثير من الجدية و حسن السلوك، فقررنا مفاتحته و أبدى استعدادا كبيرا.
كان لزاما علينا أن نجرب الطباخ في البداية برسائل لا تكتسي أهمية، فأعطيناه رسالة نطلب فيها من الكيحل عرضا عن خريطة تامشكط البشرية و الجغرافية، و جاء الجواب بسرعة فقررنا اتخاذه رجل اتصال … هكذا بدأت المراسلات بانتظام كبير بيننا و زملائنا في نواكشوط و أصبحنا على اطلاع كامل بما يجري، حيث شاركنا بنشاط في توجيه حركة المعارضة سياسيا، كانت التقارير عن الوضع السياسي و أعداد “صيحة المظلوم” تصلنا بانتظام، تحدثت التقارير عن مد كبير للحركة في عموم البلاد مما لمسنا عليه دليلا عندما، كنا خارجين في إحدى جولاتنا المعتادة ذلك أننا فوجئنا بمجموعة كبيرة من الفتيات تستقبلنا – و قد كن مختبئات وراء الكثبان الرملية خشية أن يراهن الحرس – و هن يغنين “مد ليدين للكادحين” بأصوات جميلة و حماسية و عندما أدين الأغنية كما كان مقررا على ما يبدو توارين بسرعة وراء الكثبان و لم يستطع الحرس أن يعمل شيئا لهول المفاجأة، كما تحدثت عن حملات قمع شرس ضد المعارضة و قد علمنا باعتقال محمدن ولد إشدو و إرساله إلى فديرك و اعتقال أحمدو ولد عبد القادر و زوجته السالكة و ابنتهما الرضيعة خديجة، كما علمنا باعتقال الكثيرين غير هؤلاء، و في ذلك الخضم تلقيت نبأ تحويل زوجتي إلى أطار في ظروف شبيهة بتحويلها إلى باسكنو في المرة الماضية.

و قد راج في تلك الأيام أن أفرادا من أنصار الحركة المزعومين أدلوا باعترافات عن محاولة تنظيم تمرد للإطاحة بالحكومة بالقوة و أنهم أدلوا بشهادات ضد السجناء المحروسين في تامشكط بصفتهم قادة هذا التمرد.

و رغم توحدنا في المعارضة و المحنة التي تجمعنا فقد كنا ننقسم داخل السجن إلى ثلاثة اتجاهات:

– اتجاه جريدة “لبراسيوه” و هو اتجاه تكون بعد أحداث ازويرات و يمثله المصطفى ولد اعبيد الرحمن، و من مشاهيره عبد الله ولد اسماعيل و أحمد الزين …إلخ.

– اتجاه جريدة “افلامبو” (المشعل) و هو اتجاه تكون سنة 1969 و يمثله لاجي تروري و من رموزه دفا بكري …إلخ.

– اتجاه “صيحة المظلوم” و هو الاتجاه المنحدر من جماعة القوميين العرب و أمثله أنا و محمدو الناجي و من مشاهيره محمدن ولد إشدو و أحمدو ولد عبد القادر، و كان اتجاه صيحة المظلوم مهيمنا على الحركة الطلابية و المدرسية و له وجود في النقابات المهنية و العمالية بينما كان اتجاه “افلامبو” يتمتع بنفوذ في النقابات المهنية و خصوصا في الموظفين من الزنوج الأفارقة.

كان الصراع بين الاتجاهات الثلاثة داخل السجن يحتدم كلما تطرقنا في النقاش لموضوع حساس (فكان ولد اعبيد الرحمن مثلا دائم التحامل على ما يسميه “تطرف المعارضة” و عدم واقعيتها و كان يفند باستمرار الأنباء التي تصل إلى السجناء) و بصعوبة قبل بفكرة إضراب عن الطعام و عندما حاولنا تقييم الإضراب عن الطعام بعد نهايته حاول التقليل من قيمته و مع ذلك كان يتظاهر أمام الزوار بالتطرف و حتى الصدامية، أما لادجي تروري فكان الصراع معه يشتد حول اندماج النقابة في حزب الشعب، فكثيرا ما يراهن على سلامة ذلك الخط الساسي لمجموعته، و للتذكير فإن الحكومة انتهزت فرصة الزج بأغلبية القيادات في السجن للتعجيل باستئناف مؤتمرات النقابات المهنية تطبيقا لقرار دمجها في حزب الشعب.

كنا نتابع تلك المؤتمرات عن طريق الإذاعة و كان لادجي يتوقع أن تفوز جماعته بقيادات أكثريتها غير أن النتيجة جاءت مخيبة لآماله، فقد سحقت في جميع النقابات ما عدى نقابة الإعلام، حيث استطاع صديقه “آنذاك” با عبد الله سيري أن يفوز بقيادتها و يلقي خطابا في الإذاعة مغايرا للخطابات السائدة في المؤتمرات الأخرى، و قد حاول لادجي أن يتخذ من ذلك الحدث دليلا على صحة خطه غير أننا لم نجد صعوبة في تحطيم تلك الدعوى لأن الحصول على قيادة نقابة واحدة ذات وزن محدود لا يمكن أن يغير شيئا في النسق العام لسير الحملة الحكومية، لكن ذلك النقاش قد انتهى بغضب صاحبنا مما اضطرنا إلى توقيفه حفاظا على وحدة الجبهة الداخلية للسجناء.

لم يكن الحاكم لمدة طويلة على علم بصلتنا بالخارج و كان يمكن أن يظل كذلك لولا أن رسالة مفتوحة موقعة من طرفنا تم توزيعها في نواكشوط، عند ظهور هذه الرسالة جن جنون الحاكم و قام بإبعاد الطباخ عنا و تعيين آخر، كما قام بإلغاء المشوار اليومي الذي كان مسموحا به، و كرد على تلك الإجراءات قمنا بإضراب عن الطعام لتلبية مطالبنا في الاحتفاظ بحقنا في التنزه و مقابلة زوارنا و تلقي الرسائل من ذوينا إذا ما وصلوا هناك، دام الإضراب عشرة أيام زارنا خلالها والي الحوض الغربي (محمد محمود الملقب النجيب) الذي تفهم مطالبنا و أمر بتلبيتها، لكن الحاكم رفض الانصياع لأمر الوالي و أطلع نواكشوط على خلافه معه و جاء رد الحكومة في نواكشوط سريعا، حيث عزل الوالي من منصبه و عين والي جديد هو همات انكيدا و جاء الوالي الأخير لزيارتنا مصحوبا بطبيب، كان إضرابنا في يومه التاسع، و بعد مناقشة حادة توصلنا بحضرة الحاكم إلى اتفاق يتضمن أهم مطالبنا، و بذلك أنهينا الإضراب و كنا قد استثنينا منه محمدو الناجي الذي كان يعاني مرض القلب.

أثناء الإضراب وصل من نواكشوط أحد رجال الحركة و كان كعادته يتصل بالطباخ الذي وجده قد حول، و بعد تحويله قمنا – بالتعاون مع حرسي اسمه محمد محمود ولد الصديق الذي أظهر حماسا شديدا للتعاون معنا – بنفس المهمة التي كان الطباخ يقوم بها، لكن الحرسي لم يكن صادقا معنا، بل كان يقوم بمهمة لصالح الحاكم، و هكذا تمكن من إلقاء القبض على مبعوث الحركة، السيد المختار ولد المقري، الذي قام الحاكم و الحرس بتعذيبه بقسوة بعد الاستيلاء على الرسائل التي كانت بحوزته و أودعوه السجن في كيفه، و بذلك انقطعت صلتنا بالخارج.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى