السجين

السجين محمد المصطفى ولد بدر الدين «٤»»

كان لانقطاع صلتنا بالخارج و اعتقال رجل الاتصال الذي كان الصلة الوحيدة بالرفاق نتيجة واحدة هي شعورنا بالغربة و عجزنا عن معرفة ما تخبؤه الأيام، و كانت بعض الرسائل التي وصلتنا قبل انقطاع الأخبار قد تحدثت عن تشكيل محكمة استثنائية تدعى “المحكمة الشعبية الثورية” برئاسة محمد ولد خطري ولد سكان.

و في يوم من أيام إبريل ـ على ما أعتقد ـ وصل إلى تامشكط قاضي يدعى أحمدن ولد محمد مالك، و قدم نفسه على أنه قاضي التحقيق لدى تلك المحكمة و أنه جاء للتحقيق  معنا، و بذلك تأكدت لدينا ـ لأول مرة ـ النبأ القائل بتشكيل المحكمة الثورية.

كان التحقيق معنا قصيرا و أتذكر الأسئلة بالضبط و لكنها كانت تدور حول انتمائنا إلى حركة سرية تهدف إلى الإطاحة بمؤسسات الدولة، و قيادتنا لهذه الحركة، ثم ذهب القاضي دون أن يوجه لنا أي اتهام، و ذات يوم ـ و بعد انتهاء فترة الإقامة الجبرية المحددة بستة أشهر ـ وصل من نواكشوط قراران أحدهما يقضي بتحويل ثلاثة منا إلى السجن المدني في لعيون بتهمة “الإخلال بأمن الدولة” و هم: لادجي اتروري و المصطفى ولد اعبيد الرحمن و أنا، بينما يقضي الثاني بتجديد الإقامة الجبرية لمدة ستة أشهر أخرى بالنسبة لمحمدو الناجي و دفا بكري.

نقلنا نحن الثلاثة في مؤخرة سيارة لاندروفر مغطاة بقماش “البند” السميك في اتجاه لعيون، كان الزمن صيفا (حوالي 20 مايو من سنة 73) و كانت المنطقة تكاد تشتعل من شدة الحر.

و مع أن وقت مغادرتنا لتامشكط كان في المساء إلا أن ذلك لم يخفف من درجة الحرارة في مؤخرة السيارة، انطلقت السيارة في طريق وعرة كثيرة الأخاديد و الالتواءات و لم يكن سائقها مهتما بحالنا، بل كان همه الوحيد الوصول بسرعة إلى حيث يقصد.

وصلنا لعيون في وقت متأخر من الليل و كان في استقبالنا فرقة الحرس المكلفة بحراسة السجن، أنزلنا في زنزانة مبنية بالحجارة الصلدة خالية من الثقوب ـ أحرى النوافذ ـ و سدوها علينا بباب من الحديد فور دخولنا.

و بالرغم من التعب الذي نشعر به بسبب الرحلة الشاقة، فإن جفوننا لم تنم بقية تلك الليلة شديدة الحرارة، و قد اضطررنا للتخلص من الملابس غير الضرورية، و بتنا نسبح في بحر من العرق، و حوالي الساعة العاشرة من صبيحة يوم الغد وصل قائد الدرك في لعيون (محمد الأمين ولد الزين) فأمر بإخراجنا من الزنزانة و وضعنا مع السجناء العاديين، عند ذلك فقط أصبح لدينا الحق في الشراب و الاستحمام و تناول الفطور.

كان سجن لعيون عبارة عن مبنى مكون من ثلاثة عنابر يحيط بها سور طويل و سميك يتكون مدخله من بهو شبيه بغرفة فسيحة نسبيا، لها بابان أحدهما يؤدي إلى داخل السجن و الثاني يؤدي إلى الخارج… يسكن الحرس المكلف بحراسة السجن داخل هذا البهو، و كثيرا ما يؤوي معه السجناء المقربين منه و من (مدير السجن) حيث يتناولون معهما الشاي و يشاركونهما في الألعاب.

ينفتح الباب المؤدي إلى داخل السجن على ساحة تفصل البهو و عنابر السجناء… تستعمل هذه الساحة في المساء بعد رشها من طرف السجناء في فصل الحرارة لغرض التبريد، أما العنابر فهي عبارة عن ثلاث غرف صماء مستطيلة الشكل لا نوافذ لها تفتح أبوابها الثلاثة على الساحة… تتسع كل غرفة لثمانية سجناء يستخدمونها للنوم و السكن، يشرف على السجن رجل منحدر من قبيلة “انمادي” يدعى “غلام” كان يعمل كحرسي و تقاعد برتبة مساعد، يزيد عمره على خمسين سنة، قصير القامة صغير الرأس و العينين، له أسنان ما تزال كاملة، سريع الحركة، دائم الدعابة، قليل الضحك، قلما يرفض طلبا و قلما يلبيه، تبدو على وجهه التجاعيد و لكنه بعيد من الوهن، و تقوم فرق من الحرس بالحراسة بصفة دورية.

أقبل إلينا غلام بعد ذهاب قائد الدرك مرحبا و آمرا بتقديم الشاي و “أطاجين” اللذين وفرهما قائد الدرك قبل ذهابه ثم انصرف، و كان من الواضح أنه غير مرتاح لوجودنا في البهو في يومنا الأول، و فور ذهابه أسلمنا جفوننا للنوم.

عاد السجناء آخر النهار و أخبرنا بأن الأوامر صدرت إليه بإدخالنا في العنابر إلا أنه ـ كما يقول  ـ اختار لنا أحسنها من حيث التهوية و النظافة، و هو العنبر الشرقي، ثم أخذ “الشنط” و طلب منا أن نسير وراءه، و عندما تجاوزنا عتبة الباب أوحى إلى الحرس فأوصد الباب من ورائنا.

كان عدد السجناء في تلك الفترة قليلا، و كلهم من سجناء “الحق العام” و ينقسمون إلى مجموعتين من حيث نوع الجريمة:

ـ متهمين بسرقة الإبل و هم: حوالي العشرة و كلهم رجال

ـ امرأة و ابنتها: متهمتين بقتل ابنهما غير الشرعي

كان سجاننا لطيفا، و كان ولوعا بعلب الورق لكنه قلما يحقق انتصارا و إن حدث و حققه فسيكون ذلك اليوم يوم عيد على السجناء و إن لم يحققه فسيظل مكتئبا و لن يلبي لهم أي طلب.

كنا نشرب من قرب ماؤها مجلوب من عيون مياهها سطحية مليئة بالطفيليات التي كنا نراها بالعين المجردة، و قد حملنا الكثير من هذه الطفيليات في أجسامنا، و لذلك فقد أصبت بمرض “بروت”.

كان أسوأ ما في ذلك السجن عند قدومنا إليه عدم نظافته و سوء حالة مراحيضه، طرحنا المشكلة على السجان الذي وافق بسرعة على حل تلك المشكلة، و لكن عندما زارنا في اليوم التالي و ذكرناه بوعده انصرف و قال لأحد الحراس: “و من يظن هؤلاء أنفسهم؟ إنهم لم يحولوا إلينا لكي نكرم مثواهم، دعوهم فسوف يتعودون على ذلك مع مرور الوقت”، لما علمنا بموقف السجان قررنا القيام بحملة تنظيف عبأنا لها جميع السجناء، و عندما جاء و شاهد العمل تظاهر بالرضى و قال: “هكذا يفعل الوطنيون المخلصون من أمثالكم لبلادهم”.

كان سجن لعيون ـ فيما عدا الليالي الأولى ـ نهاية للعزلة التي عانيناها في تامشكط، و مع أننا كنا ننتظر من وقت لآخر محاكمة غير عادلة أمام محكمة سياسية، فقد وجدنا في لعيون من يستقبلنا بحفاوة أمثال: أحمد ولد خطاري الملقب ولد آدبه (أمين مالية الولاية و محمد الأمين ولد الزين قائد الدرك).

كان للحركة الوطنية الديمقراطية وجود منظم يقوده يحي ولد البشير الذي كان على اتصال دائم بنا، و عن طريقه استأنفنا صلتنا بالأصدقاء في نواكشوط.

علمنا عن طريق صلتنا الجديدة بحملة تضامن واسعة مع السجناء تم تنظيمها أثناء الإضراب عن الطعام الذي قمنا به في تلك الفترة في حالة غليان دائم، و أن عدد المعتقلين في سجن بيلا وحده وصل إلى قرابة الألف، و أن غالبية السجون العواصم الأخرى تعج بالمعتقلين، و مع ذلك لا تزال الاحتجاجات متواصلة، و “صيحة المظلوم” لا تتوقف عن الصدور في مواعيدها المحددة.

و الحقيقة أن سكان نواكشوط تعودوا لعدة سنوات على المصادمة الدورية بين مجموعات المتظاهرين و فرق الحرس مدعومة من طرف الشرطة بقيادة الملازم ممي وهراواته الغليظة.

كانت تلك الفرق في البداية قليلة العدد ضعيفة التكوين، أتذكر على سبيل المثال أنه أثناء مظاهرة احتجاج على أحداث ازويرات سنة 68 قام المتظاهرون بمهاجمة مقر رئيس الجمهورية لمدة ساعة قبل أن تتمكن قوات الأمن من تفريقهم لأنها لم تكن تتوفر على القنابل المسيلة للدموع و لا على وسائل قمع تحل محلها، و لكن تلك الفرق طورت شيئا فشيئا “قدراتها القمعية” و أصبحت تستعمل الهراوات و القنابل المسيلة للدموع لأبسط الأسباب و بشكل مكثف، و في كثير من الأحيان كانت تكتفي بتفريق الجموع و لا تقوم بالاعتقالات، لكنها كانت على الدوام تضرب بقسوة كل متظاهر تمسك به، و كانوا في بعض الأحيان يعتقلون الناس و يلقون بهم في سيارات لاندروفر التابعة للحرس و الحافلات التابعة للشرطة و الوجهة هي دائما مفوضيات نواكشوط.

لم يكن الاعتقال التحفظي في البداية يتجاوز 48 ساعة، و لكن التشريع تطور في اتجاه القسوة، حيث أصبح بالإمكان تمديد تلك الفترة إلى أسبوع.

و في داخل السجون لمعت أسماء لجلادين تميزوا بشراسة نادرة منهم مثلا “لحرور” (2) الذي اشتهر بعذيبه لفتيات و فتيان تجكجة. و من ناحية المتظاهرين فإنهم كانوا في البداية عديمي التجربة ضعيفي المقاومة يتفرقون بسرعة عندما تظهر فرق مكافحة الشغب، و لكنهم طوروا أساليب صمود و مقاومة أظهرت في النهاية فعاليتها، فقد تعلموا استعمال المناديل المبللة بالماء لإبطال مفعول الغاز الذي تطلقه القنابل المسيلة للدموع، كانت النسوة تحملن الأواني المملوءة بالماء و كميات كبيرة من المناديل يبللنها و يزودن بها المتظاهرين، ـ كما توصل المتظاهرون إلى تشكيل فرق لحفظ النظام أثناء المظاهرات تطورت إلى أن أصبحت فرقا صدامية حقيقية تستعمل الحجارة و العصي و حواجز الطرق… و من هذه الفرق فرقة أطلقت على نفسها “فرقة أيلول الأسود” التي يقول شاعرها:

أيلول الأسود لا اتل       في التيجريت إفاتن

ويل الرجعية فاشل       و أيلول عليه عاتن

كانت المحاكمة المقبلة أمام محكمة ثورية تأخذ جزءا كبيرا من تفكيرنا، و كلما كنا نفكر في التحضير لها اصطدمنا بالجهل التام بالنصوص المنظمة لها، فنضطر للتأجيل بغية الحصول على معلومات جديدة، و مع الزمن أصبح احتمال تلك المحاكمة يضعف أكثر فأكثر، فبينما ظلت السجون مكتظة بالمعتقلين أخذت الحكومة بالمقابل تتخذ القرار تلو القرار لتلبية مطالب المعارضة المتعلقة باسترجاع السيادة الوطنية، و قد اتخذ قرار بإلغاء اتفاقيات الدفاع المشترك مع فرنسا، كما تم اتخاذ قرار بإنشاء عملة وطنية. و كرد فعل غير مباشر على هذين القرارين نشرت الحركة الوطنية الديموقراطية برنامجا بخمس نقاط:

1ـ استرجاع و توطيد الاستقلال الوطني

2ـ إتاحة الحريات الديموقراطية

3ـ تحسين ظروف الجماهير

4ـ صيانة الوحدة الوطنية

5ـ مساند استقلال الشعب الصحراوي

وأفردت صيحة المظلوم لكل واحدة من هذه النقاط مقالا مطولا لشرح محتواها، و كان واضحا من تلك الخطوة أن المعارضة تحاول استرجاع المبادرة من النظام الذي أصبح ـ بعد الزج بغالبية قادتها في السجون ـ يلبي بعض مطالبها لتحسين صورته في الأوساط الحساسة، و لكن استرجاع المبادرة يتطلب حملة واسعة و تلك الحملة تستلزم جيشا ضخما، و قادة الجيش و الكثير من جنوده موجودون وراء القضبان، و هذا ما جعل الحركة تفكر في هروب بعض القادة من السجن، و تم ذلك بالفعل بالنسبة للبعض (ولد إشدو في نواكشوط) أما بالنسبة لنا فمع أن قرار تهريبنا من السجن قد اتخذ إلا أنه كان مشروطا بشرطين:

 

 

ـ أن نوافق على هذا القرار

ـ أن يخضع لدراسة تثبت إمكانية قوية لنجاحه

لم يتطلب الشرط الأول الكثير من الوقت، فقد كان ردنا سريعا بالموافقة، أما الشرط الثاني و هو الدراسة فقد استغرق وقتا أطول، و قد انتهت دراستان على الأقل بنتيجة سلبية، بسبب صعوبة المواصلات و جهل الوسط الجغرافي و البشري من طرف المسؤولين عن تنفيذ العملية، و قد أعطيت للمشرفين على العملية مهلة لا تتجاوز رأس سنة 1974، و لكن قبل ذلك الأجل بأيام قليلة تم إطلاق سراحنا بموجب برقية تأمر بإعطائنا حرية مؤقتة، و ذلك بعد ثلاثة عشر شهرا من مصادرة حرياتنا، ستة منها تحت الحراسة المشددة بين تامشكط و بومديد و سبعة منها في سجن لعيون.

وبإطلاق سراحنا دون محاكمة ماتت فكرة المحكمة الشعبية الثورية التي أسسها حزب الشعب لمحاكمة خصومه السياسيين قبل أن تعقد جلسة واحدة.

وعندما وصلنا إلى نواكشوط قادمين من لعيون في الأيام الأخيرة من سنة 1973 كانت غالبيتنا قد تحررت، و كان الوضع على النحو التالي:

لقد أدت المجابهة التي دامت طوال سنتي 1972 و 1973 بين الحكومة و المعارضة دون أن تتمكن الأولى من تصفية الأخيرة و دون أن تستطيع الأخيرة إرغام الأولى على الرضوخ لجميع مطالبها و الاعتراف بها كشريك ـ إلى إعادة الحسابات على مستوى الطرفين، فعلى مستوى الحكومة أدت التعبئة الدائمة لقوات الأمن إلى ظهور استياء في صفوفها، كما أدت عمليات القمع الواسعة، و التي جرت في غياب تام للقضاء، و حملة المعارضة في الداخل و الخارج إلى إعطاء صورة سيئة عن النظام القائم، و لعل ذلك ما يفسر القرارات المتعلقة باسترجاع السيادة الوطنية و إطلاق سراح المعتقلين.

وعلى مستوى المعارضة ظهرت علامات ضعف في بعض مناضليها جراء حملات القمع التي أدت ـ بالإضافة لمئات المعتقلين ـ إلى طرد المئات من الموظفين أو تعليقهم من وظائفهم، كما قطعت منح المئات من التلاميذ و الطلبة الذين راحوا يتسكعون في الشوارع، يضاف إلى ذلك الحرب النفسية التي جعلت من الحركة الوطنية الديمقراطية مجرد حركة شيوعية هدفها القضاء على الدين.

وقد كانت مخابرات النظام و قيادات حزب الشعب يقفون وراء تلك الشائعات التي سخرت لها الإذاعة الوطنية أوقات بثها المحدود و غصت برامجها بالأدب الرديء لمجرد أنه يهاجم المعارضة، و قد ترك كل ذلك أثره على معنويات المناضلين، و هذا ما يفسر موجة الانبطاح التي عرفتها الشهور الأخيرة من سنة 1973، كما يفسر الأحداث التي ستعرفها السنوات اللاحقة: الحوار، الاندماج في حزب الشعب، و انقسام الحركة الوطنية الديمقراطية.

لقد كانت أقرب صورة للوضعية التي وجدنا فيها المعارضة عشية وصولنا إلى نواكشوط تلك التي رسمها أحمدو ولد عبد القادر في يقول فيها:

و ابتسام الربيع يولد مهما       تعب  الكون من دموع الشتاء.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى