مقالات

السواد وعنصرية التاريخ واللغة/ زايد المسلمين بن ماء العينين

 

في التراكم التاريخي للشعوب الانسانية ترسخ في أذهان الشعوب النظرة الخاصة للسواد والسود فاستبطنوا عقلية العنصرية والتمييز ومنحوا السواد خصال الدونية او ميزات الشر فالسواد يعني الظلمة والغموض أما البياض فهو الوضوح وهو السعادة والبهاء فالليل البهيم اسود مخيف اما الضحي قمة إشراق الشمس فهو الأمان والطمأنينة :
سارت اللغة ـ التي هي مجرد تواطئ او تواتر من افراد الانسانية للتعبير عن معني من المعاني ـ علي ترسيخ تلك العقليات أو المعاني وقد بلغت أوجها في الأسطورة اليهودية المتعلقة بتجريم حام وعقابه بالسواد وإعطائه مُلْكا لإخوته من بني ءادم ،و لقد استثارتني العقلية هذه عندما التقيت باشخاص من سكان شمال الكرة الارضية باحوا لي بحقيقة نظرتهم للسواد البشري وهو امر لم أكن احس به انا الذي ترعرعت بين اخوتي من السود ولم أكن أتميّز عنهم بشيء فانا ايضا اسود او ملون علي الاقل او”ادخن “كما يقول اخوتنا في المغرب العربي عنا ، لقد كان نقاشي مع أولئك الناس يتراوح مابين نقلي لهم تجربتي في مجتمعي الأسود وانني اعتقد ان الا نسان الأسود أكثر طيبا من اي جنس ءاخر و بين النقاش العلمي بانه لا فرق ديني او علمي بين شخص اسود او ابيض قال تعالي في كتابه الكريم : يايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثي وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير ) وقال الرسول الكريم صل الله عليه وسلم في خطبة الوداع إنه لافضل لأسود علي ابيض ولا لأبيض علي اسود الابالتقوي”يايها الناس ان ربكم واحد وان اباكم واحد ألاَ لاَفضل لعربي علي اعجمي ولا لعجمي علي عربي ولا لاحمر علي اسود ولا لاسود علي احمر الابالتقوي ثم قال اي يوم هذا قالوا يوم حرام ثم قال اي شهر هذا قالوا شهر حرام قال ثم قال اي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فان الله قد حرم بينكم دماءكم واموالكم واعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ابلغت ؟ قالوا بلغ ، قال : ليبلغ الشاهدُ الغائبَ (او كما قال صل الله عليه وسلم ). والعرب يعبرون عن البياض بالحمرة ومنه الحميراء اي البيضاء .وطالما حدثتنا امهاتنا بقول ذلك الكوري الصالح الذي يكرر دائما ” الحمد لله الذي قال ان اكرمكم عند الله اتقاكم ولم يقل : ابيضكم چلاًّ ” اما النقاش العلمي فقد تجلي في مقالات ابن سيناء و مقدمات تاريخ ابن خلدون بتعلق اللون بالسكن في المناطق المشمسة والقرب منها او البعد وهو ما تم تقعيده علميا بحقيقة ان اللون البشري انما هو انعكاس للضوء علي الجسم البشري ففي خط الاستواء وماجاوره يشتد الانعكاس فيبدوا الجسم الإنساني اسود وكلما خف تركيز أشعة الشمس بدا الجسم اكثر نصاعة او بتفصيل اكثر فان مادة الميلانين الحامية لخلايا الجلد من الاشعة واختلاف تركيزها في جسم الإنسان هوالذي يتسبب في ظهور البشرة فاتحة أو غامقة ، إن الميلانين هو مادة صبغية تتواجد في خلايا الجلد وخاصة أدَمَة َالجلد، فكلما زاد اسْمرار البشرة أو اتجاهها للون البني فان ذلك يعني أن الميلانين كثيف في البشرة، وكلما زاد بياض البشرة فان الكثافة أقل و الميلانين يعتبر ممتص جيد للضوء بشكل عام، ولأشعة الشمس فوق البنفسجية بصفة اخص وعملية إنتاج الميلانين تتم في الخلايا الطلائية التي يحتوي عليها الجلد، و الأشعة فوق البنفسجية محفز لعمل هذه الخلايا لإنتاج صبغة الميلانين فكلما زاد تركيز الضوء زادت نسبة إنتاج صبغة الميلانين ، والحياة في المناطق القريبة من خط الإستواء تعني العيش كثيرًا تحت أشعة الشمس مما يزيد من امتصاص الخلايا الصبغية للأشعة فوق البنفسجية و زيادة صبغة الميلانين في الجسم الحامية للخلايا من الاشعة فتكون البشرة أكثر اسمرارًا.
ـ رغم هذه الحقائق الدينية والعلمية فان شيطان العنصرية البغيض لم يزل يفتل بالذروة والغارب في عقلية البشر فاحتالوا
علي التساوي البشري بالزعم بنسبية ذلك وانه يوجد بشر افضل من بشر هم او لئك ، او اولئك من جنس او عنصر او سلالة معينة وحتي اجتهد احد العلماء بانه اذا تساوي العربي والعجمي في الدين والمروءة والخلق فان العربي يكون الأفضل لكونه من جنس عربي وانبرى المفكر الفرنسي غوستاف لبون ليقطع بالتفريق بين الاجناس الي ثلاث : جنس لادور له في الحضارة وضرب له المثل بالجنس الأسود وجنس قابل لاستعمال الحضار ة وغير منتج لها مثل العرب والصينيين وجنس منتج للحضارة ومستغل لها وهو الجنس الهندواربي . اوبعبارته الصريحة:” وإني حين انظر الي مافي العروق البشرية من الصفات النفسية العامة فقط أري امكان تقسيم هذه العروق الي أربعة أقسام : وهي العروق الابتدائية والعروق الدنيا والعروق الوسطي والعروق العليا : والعروق الابتدائية هي التي لاتجد فيها اي اثر للثقافة وهي التي ظلت في الدور القريب من الحيوانية والذي جاوزه اهل عصر الحجر المنحوت من اجدادنا ومن العروق الابتدائية في الوقت الحاضر نذكر الفيوجيين والأستراليين ، وتري فوق العروق الابتدائية العروق الدنيا التي يعد الزنوج عنوانا لها علي الخصوص وفِي هذه العروق تجد بصيص حضارة وبصيص حضارة فقط وهذه العروق لم تجاوز وجوه الحضارة الغليظة وان ورثت حضارات راقية بفعل المصادفة كما اتفق لاهل سان دومينغو ، ونذكر من العروق الوسطي الصينيين واليابانيين والمغول والامم السامية فالعرب والاشوريون والمغول والصينيون واليابانيون أبدعوا نماذج حضارات راقية لم يجاوزها غير الاربيين . ويجب ان تذكر الامم الهندية الاربية بين العروق العليا علي الخصوص وهذه الامم هي التي اثبتت قدرتها علي الاختراعات العظيمة في الفنون والعلوم )كتاب السنن النفسية لتطور الامم تأليف الدكتور غوستاف لوبون ترجمة عادل ازعيتر .

ثم تسلط علي النصوص الدينية مفسرون تحاملوا علي السواد حتي فاجأني فَقِيه اسود ذات مساء في مسجد بقوله لحلقة من الشباب السود ان للإنسان ما يتمني في الجنة وانه يستطيع احدهم لو رغب ان يكون شخصا ابيض ناصع البياض في الجنة او يتزوج بيضاء ورغم عدم اعتراضي علي المبدأ الاول وهو ان لساكني الجنة ما يتمنون فاني انتفضت معترضا علي جعل البياض في حد ذاته مزية او السواد خاصية دنية وقلت ان لون البشرة الإنساني عنصر محايد لاهو إيجابي اوسلبي ولاهو من الخير او الشر ، قاطعني أحدهم بان افضل ثيابكم البيض وان اهل الجنان بيض الوجوه عكس الأشقياء من نزلاء النار فهم سود الوجوه فرددت بان الذي قال ان افضل ثيابكم البيض وهو الصادق المصدوق صلي الله عليه وسلم هو الذي قال انه لافضل لعربي ولا لعجمي ولا لأبيض علي اسود الا بالتقوي فاندفع هذ الدليل ، اما بياض الوجه يوم الدّين فهو استعمال عربي راسخ للتعبير عن السعادة والطمأنينة فيقال بيّض وجهي فلان بفعله اي أسعدني به فهو معني معنوي اكثر من ان يكون أمرا ماد يا يتعلق بلون البشرة ، فمحمد محمود بن بلال الجكني وهو الأسود الفاحم اكثر بياض وجه وسعادة من كل أولئك الأشقياء من العنصريين البيضان والحمران فوجه محمد محمود المنير بقوة الايمان و المضيء بسكينته ووقار الاريحية والطيب والسكينة هو الوجه الابيض حقيقة وليس اي وجه ءاخر ابيض فقط ،قال القرطبي في تفسيره لقوله تعالي :
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) وابيضاض الوجوه إشراقها بالنعيم. واسودادها هو ما يرهقها من العذاب الأليم. انتهي الاستشهاد ، فالوصف بالبياض والسواد محمول علي المجاز لا علي الحقيقة قال بعض العلماء : بياض الوجوه هنا المراد منه لازمه وهو الفرح والسرور، كما أن سوادها المراد منه لازمه أيضا وهو الحزن والغم وعليه يكون التعبير القرآنى محمولا على المجاز لا على الحقيقة.
قال الفخر الرازي ما ملخصه: وهذا مجاز مشهور قال- تعالى- وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ويقال: لفلان عندي يد بيضاء وتقول العرب لمن نال بغيته وفاز بمطلوبه: ابْيَضّ وجهه ومعناه الاستبشار والتهلل … ويقال لمن وصل إليه مكروه: ارْبَدّ وجهُه واغبر لونُه وتبدلت صورته.. وعلى هذا فمعنى الآية: أن المؤمن يَردُ يوم القيامة على ما قدمت يداه، فإن رأى ما يسره ابيَضَّ وجهُه بمعنى أنه استبشر بنعم الله وفضله، وعلى ضد ذلك إذا رأى الكافر أعماله القبيحة محصاة عليه اسْوَدَّ وجهه بمعنى أنه يشتد حزنه وغمه».

لقد فات علي غوستاف لوبون كما فات علي بعض الادبيات الدينية انه كلما توغلت الحضارة في البحث العلمي ظهر ان التميز الانساني البشري مرتيط بالانسانية جمعاء سواء كانت بيضاء او سوداء او حمراء فلا ارتباط له بالنسب او العرق فالحضارة الاغريقية التي هي سبب تيه وفخر المركزية الاربية ليست الاحضارة تم اخذ معالمها الاساسية من كل الشعوب حتي وصفها احدهم باثينا السوداء ، فالاساطير والشعر والدين والعمارة من المصريين والكتابة من الفينقيين الساميين الغربيين الاخوة الاشقاء للعرب والكلدانيين فالترتيب الألفبائي له دلالة في الفنيقية وليس له دلالة في الإغريقية فالألف من الفنيقية هي alipha وتعني قرن الثور وبيتا beta من الفنيقية هي beth اي البيت والحرف gamma يعني في الفنيقية gimal اي جمل وهو الجيم بالعربية اخت الفنيقية وهكذا بقية الحروف
ومن هنا ظهر البعد الافرو اسيوي للحضارة المعاصرة في كتاب : أثينا السوداء او السمراء واصل الحضارة الجذور الافرو ءاسيوية للحضارة الكلاسيكية لمؤلفه :مارتن برنال وهو كتاب رغم مافيه من محاولة خلق تاثير عبراني لا اساس له من الواقع التاريخي فانه يتوازاي الي حد جزئي مع تيار المركزية الافريقية للحضارة البشرية والذي من ابرز شيوخه العلامة الشيخ إنتا ديوب السنغالي وجيمس و ارف الذي يصف اراتو سثينيس أمين مكتبة الاسكندرية بانه أفريقي اسود وجون هنريك كلارك كاتب فصل او مقال ” الملكات الأفريقيات المحاربات ” والذي اورد منهم كليوبترا الامبراطورة المصرية .

ان النظرة الي السواد تنبئ عن نسبية الحقيقة لدي البشر أي ّ بشر فقد نشات تلك النظرة في نظري من :
1ـ القلة العددية للانسان الاسود بالنسبة الي اعداد الاجناس البيضاء والصفراء والحمراء فالجنس الاسود في اكثره في القارة الافريقية وفي اطرافها واواسطها المنزوية او في جزر منعزلة في المناكب الارضية بعيدة عن حركة ومسار الاجناس البشرية الاخري .
2 ـ قلة الاختلاط المادي بين الاجناس السوداء والاجناس البشرية الاخري فالتعود ضروري للمعرفة “وليس من رأي كمن سمع “. “ومن جهل شيء عاداه ” .
3 ـ انه بدل الاعتزاز يالسودوية او الزنوجة من الجنس الاسود بمواصفاتها الخلْقية والخلُقية اخذت بتلابيب مخيلته العقليةُ اليبضاء ُفالزمته بمفاهيمها ومقاييسها حتي قال احدهم” الله عظيم لكن الابيض ليس صغيرا ” كما الزمته بمواصفات الجمال والاعتبار فاصبح الانسان الاسود او الاحمر يسعي بكل ما أوتي من قوة لتفتيح بشرته والتخلي عن لونه الاسود الجميل وتمديد وسبل شعره الجعد او القَطَط بل وبلغ الامر بآخرين الي عمليات تجميل للانف الافطس والاسنان المُفلّجة والي محاربة الْكَحَل في العينين واللَّعَس في الشفاه اقتداء بالشقر من الاجناس الاربية العديمي الشفاء والمتصنعين للعس باحمر الشفاه ” وصدق ابن خلدون : ” فالمغلوب مولع بتقليد الغالب “

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى