نوحيات

السيف والكتاب../ الشيخ نوح

  • لو كنت مجتهدا دينيا أوقع عن الله كما يقولون؛ لكان أول شيء وربما آخر شيء أحرمه هو الجهل؛ فليس هناك ما هو أشد إثما وحرمة من الجهل في تقديري، ولكن لماذا لم يفكر أي من هؤلاء المسكونين بذهنية التفسيق والتحريم في هذا الاتجاه منذ قرون؟ مع تسليمي بأنهم أصلا يعملون ضده؛ لأنهم من قيد العقل ووضع حدودا للمعرفة والعلم وحقر الإنسان في نفسه! المديحيات التي تمجد فظاعات السيف لا حصر لها في الثقافة الإسلامية العربية؛ سواء من خلال النصوص الفقهية أو الثقافية أو الإبداعية؛ والتي طبخت ونضجت في مجتمع بدوي قبائلي و”ليس بين القبائل إلا الحرب” خصوصا في بيئة متصحرة قد تندلع حرب لا تبقي فيها ولا تذر على قطرة ماء خضخاض..

    إن ذهنية “الغنيمة” ظلت نشطة في هذه المجتمعات؛ وكذلك “الإغارة” وما ينجر عنها من استعباد وسبي؛ وترسيخ تاريخ ثأري وانتقامي يظل جمره مطمورا تحت رماد الحكايات الشفهية والأساطير والقصائد الممجدة والمخلدة لذكريات الحروب القبلية؛ وهو ما جعل للسيف مكانة عالية بوصفه رمزا للقوة الخام؛ والقدرة على القتل والفتك والانتصار، لتصبح البطولة والمغامرة هي خلاصة رأس المال القيمي لهذه المجتمعات، وقد لعب الشعر دورا كبيرا في تجميل قيم الغزو والغنيمة والسبي؛ وذلك بوصف الشعر الشكل الفني الأكثر تداولا في هذه البيئة، كما ساعدته خاصية الوزن على أن يكون قابلا للحفظ والإلقاء والتعاطي في النوادي والأسواق والاجتماعات فكان حاملا لهذه “الأيديولوجيا” أي أيديولوجيا العنف، ولعل القارئ لشعر شاعر العربية الأول – حسب البعض- المتنبي يدرك بجلاء ذلك؛ رغم شهرة بيته اليتيم الذي يمجد الكتاب والذي لم يخل من إشارة للعنف أيضا، فصاحب “خير جليس” هو نفسه الذي يكرر في مناسبات عديدة وبصيغ مختلفة إنه:

    لا تحسبن المجد زقا وقينة فما المجد    إلا السيف والطعنة البكر

    ولا يخفى ما في الصياغة “ما المجد إلا..” من حصرية صارمة لا تقبل الاستثناء .

    لا نجد مديحيات كثيرة للكتاب في الشعر العربي باستثناء بعض الحض على التعلم الذي قام به البعض؛ حين كان العلم برمته يختزل في الآراء الفقهية والمعارف الدينية التقليدية، ذلك لأن

    السيف أصدق انباء من الكتب    في حده الحد بين الجد واللعب

    ولأنه كذلك: بيض الصفائح لا سود الصحائف في    متونهن جلاء الشك والريب

    على رأي أبي تمام.

    إن قسما كبيرا من الذهنية العربية قائم على الغنيمة والسبي وقد تسربت هذه الذهنية إلى العلاقات بين الأفراد والجماعات(علاقة الآباء بالأبناء.. علاقة الزوج بالزوجة.. علاقة الحاكم بالمحكوم) ؛ بالإضافة إلى فقه الغلبة وذووي الشوكة؛ وبالتالي أعتقد أن تفكيك هذه الذهنية ومحاولة كشف الأنساق التي تتخفى وراءها بشكل ماكر وذكي سيكون مدخلا لفهم علاقتنا بالعنف واحتقار المرأة و توق الكثير من مجتمعاتنا إلى ثقافة الثأر وجرائم الشرف والإرهاب؛ لأننا مجتمعات تربت على الخوف والقمع وآمنت أن القوة هي الحق والحقيقة وليس أن الحقيقة والحق هما القوة، لذا فلا غرابة أن يرد على كاتب بالرصاص وعلى مفكر بالسيف، وعلى أي حر أو حرة بالقتل والسبي.

     
 

الاكثر قراءة

لأعلى