شاهد

العقيد محمد ولد لكحل: التاريخ برواية صناعه (1)

العقيد محمد ولد سيد احمد ولد لكحل، عسكري  حافل التاريخ بالأمجاد  والبطولات الأسطورية.. أحد قادة حرب الصحراء الذين أبلوا فيها حسنا.. و أحد من واكبوا تاريخ موريتانيا الحديث، وشاركوا في صناعته.. أخيرا قررا أن يكسر صمته الطويل، ليتحدث لـ”تقدمي” عن شهادته على التاريخ..  فتحدث عن كل شئ: حرب الصحراء.. انقلاب العسكريين على المختار ولد داداه.. الخلافات التي شهدتها المؤسسة العسكرية، وكادت أن تعصف بكيانها.. إنقلاب 16 مارس، وخفاياه.. والانقلاب على ولد هيداله، وهلم جرا.

إنه التاريخ، إذن، برواية صناعه:

إسمي محمد ولد سيد احمد لكحل، ولدت في يناير 1947، انتمي لأسرة فقيرة، من المجتمع الموريتاني التقليدي، من أم زنجية “سودانية” و أب عربي، وقد كان لهذا النسب المختلط أثره الكبير في حياتي.

 انتمي لقبائل “العرب” الموريتانية، التي لا يمكن أن يكابر مكابر في وصفها بأنها كانت خالية من داء “العنصرية”، فقد كانوا يريدون لأبنائهم أن يكونوا أقحاحا، من أم و أب عربيين..  لا يريدونه هجينا ( الهجين في اللغة من أبوه عربي وأمه أعجمية) ولا مُقرفا ( وهو الولد لأب أعجمي وأم عربية).. و أنا اعتبر أن هذه النظرية الفوقية التي كان تجعل قبائل عرب موريتانيا  يربأون بأولادهم أن يتزوجوا من الزنجيات، هي نوع من العنصرية.

استطاعت أمي التي مانع أهلي في البداية من اقترانها بأبي، أن تسيطر على ذلك الوضع غير المرغوب فيه بينها وبين أصهارها، بما كانت تتحلى به من كرامة وقوة شخصية. فاستمرت الأسرة، ولله الحمد، إلى أن كان هنالك طوفان هادر لم تستطع الأسرة الصمود في وجهه، وهو دخولي للمدرسة، الذي كان السبب في فراق أبويّ..

القصة، أن قبائل العرب كانت قد أجمعت برمتها على أن لا ترسل أبنائها للدراسة في مدارس المستعمر، معتبرة أن في الأمر تقوية للاستعمار الذي يكافحونه،  ومن هذا المنطلق كان والدي يرفض دخولنا المدرسة، وهو خلافُ رأي الوالدة، التي رأت من الضرورة التحاقنا بها..

كانت الوالدة رحمها الله تتمتع بشخصية قوية، فأصرت على تدريسنا في المدارس النظامية.. وأثناء غياب أبي للبادية، قادتني رحمها الله  صحبة أخي إلى المدرسة رقم 1 في أطار، حيث طلبت من ناظرها تسجيلنا فيها.. وبما أن التسجيل كان يقتضي حينها تقييدا باسم أحد شيوخ القبائل، فقد سألها ناظر المدرسة عن شيخ القبيلة الذي سيتم تسجيلي باسمه، فأجابته: لا… سأقيده باسم “أهل لخله” ( الجن).. ضحك الرجل، ثم قام بتسجيلي تلميذا في مدرسته..

 وكان ذلك في عام 1955

نمت الأنباء إلى سمع والدي رحمه الله، فعاد على جناح السرعة، و أخذني على ظهر جمل لنغادر المدينة، غير أن والدتي تقدمت بشكوى  منه، لترسل الإدارة الاستعمارية حينها من قفا أثره، واستعادني منه.. ثم هددوه بـ”التغريب” خارج موريتانيا، إن هو اعترض  سبيل دراستي، بغير مرضاة أمي.

حضرت مشادة ساخنة بين أمي وأبي بخصوص دراستي.. فكان يقول لها “ستجعلين من أبنائي كفارا”، وكان يتذمر من موقفه أمام العشيرة، التي خرق إجماعها بتدريس أبنائه في المدارس الفرنسية. فحتى القبيلة تخلت عني واعتبرتني خارجا عن تقاليدها بدراستي في مدارس المستعمر.

لم يفضِ النقاش إلى نتيجة.. فقد خط الوالد خطين لوالدتي، و خيّرها بينهما، خط البقاء في عصمته، أو خط تدريس الأبناء في مدارس “الكفار”..  وبهدوء وابتسامة لا تفارق ثغرها، قالت له: سأختار مستقبل أولادي. فما كان منه رحمه الله إلا أن فارقها وتزوج من غيرها في نفس الليلة.

كان الوضع صعبا جدا بالنسبة لي،  فقد فقدت والدي و أنا ابن ثمان سنوات.. ولم أجد معيلا غير والدتي التي تربيت في حضنها إلى وصلت لما وصلت له في حياتي العسكرية والمهنية، من وظائف و أمجاد.  فقد انتقلت الوالدة إلى بارئها في 1986 أي قبل عام من وفاة الوالد رحمه الله.

تأقلمت مع الظروف الجديدة، أنا وأسرتي، فباشرت العمل في شركة ميفرما في الزويرات وأنا ابن ثلاثة عشر عاما، حيث كنت انتقل إليها في العطلة الدراسية لمباشرة العمل، و أصبحت وأنا في هذا السن معيل الأسرة وكافلها..

كنت اتقاضى من عملي الموسمي في ميفرما 50.000 الف فرنك إفريقي، وهو زهاء عشرة آلاف أوقية. وكنت  أسلمها برمتها لوالدتي التي كانت قد فتحت دكانا صغيرا بعد طلاقها من والدي، من ثمن مقتنياتها من الذهب الذي باعته لتعيلنا به.. و كانت ميفرما تزودني إيضا ببعض “الإعاشة” (الرصيون) من مواد غذائية. كنت اساعد بها والدتي أيضا.

لم تكن كل تأثيرات تلك التجربة سلبية، فقد اكتسبت منها خبرة، اشتد بها عودي، وقوي عضدي.

واصلت دراستي الإبتدائية في  مدينة أطار، عاصمة ولاية آدرار، و في عام 1961 انتقلت لاعدادية نواكشوط، ولم يكن في العاصمة نواكشوط ما يميزها حينها عن غيرها من مدن الداخل، فمن اعداديتي التي كنت أدرس فيها حتى لكصر، كانت المدينة يبابا، لا عمران فيها.

.وكنت  عند بداية العطلة الدراسية أغادر العاصمة إلى مديني الزويرات، في شاحنات تدعى حينها ” لا كومب”.. و أحيانا ترسل معنا السلطات – نحن مجموعة الطلاب – شرطيا ينتظر بنا خارج المدينة، حتي تمر سيارة في  طريقها للزويرات فيجبرها على استصحابنا.. وكنا نمكث في سفرنا ثلاث أيام.

 تابعت  بعدها دراستي  في ثانوية روصو.. ضمن زملاء دراسة كان من بينهم هيبتنا ولد سيدي هيبه وعبد الرحمن ولد احمدو، وسيدي ولد الكيطكاط، ثم التحقت بمدرسة تكوين المعلمين، بعد حصولي على الباكلوريا، إذ تخرجت  ضمن أول دفعة منها.. لم أباشر مهنة التعليم و إنما كانوا يحضروننا لنكون أساتذة جامعيين، بعد أن نتابع  الدراسة في دكار، غير أنني فضلت تحت تأثير القبيلة و الدماء التي تجري في عروقي كأحد أبناء “حملة السلاح” أن ألتحق بالجيش، فتقدمت لمسابقة لاختيار ضابط واحد من بين 500 مترشح، وقد وقع الاختيار علي. وكان ذلك في 1966.

هنالك استاذان كانا بالغي التأثير في حياتي هما الفرنسي تريدو و آخر يدعى بومو كان مدير ثانوية روصو.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى