شاهد

العقيد محمد ولد لكحل: الموريتاني الذي يمرغ الضباط الفرنسيين في الطين

في هذه الحلقة الثانية من “شهادة”  أسطورة الجيش الموريتاني، وبطل حرب الصحراء العقيد محمد ولد سيد أحمد لكحل، يتحدث الرجل عن تكوينه العسكري، بدء بالتحاقه بالجيش، و تكوينه العسكري في فرنسا، وتجربته مع الجمالة و فرقة المظليين، الى مساهمته في قمع تمرد الشمال الكميروني على رئيسه آمدو أهيجو، وحتى توليه قيادة “جبهة تحرير موريتانيا الشمالية.. فماذا قال ولد لكحل؟

بعد انتهاء دراستي،  في نهاية العام 1966 تقدمت لمسابقة للالتحاق بالجيش الموريتاني، وكنت برتبة ملازم.. كنت وحدي من تم اختياره من بين 500 مترشح، فحينها كان الجيش يكتتب ضابطا كل سنة.

ذهبت لمركز التدريب في روصو، حيث يتم تأهيل الجندي وتجنيده،  قبل أن يواصل في معاهد عسكرية بفرنسا.. كان في مركز التدريب حينها حوالي 600 مجند،  يتولى تدريبي الشيخ سيد احمد ولد باب مين (الذي يرأس حاليا منتدى الديمقراطية والوحدة)  وكان حينها برتبة ملازم، فيما كنت لا آزال جنديا،  لم أتجاوز التاسعة عشر من عمري.

كانت فترة التدريب بالغة الصعوبة، فقد كان هنالك عرفاء وضباط صف متشددون في عملهم،  كيما يتمكنوا من نقلنا من الروح المدنية إلى الروح العسكرية.. وقد تطلب منهم ذلك كل التشدد و الصرامة.. فكنا نسهر على التدريب والتكوين العسكري وممارسة الرياضة.. لا نذوق المنام ألا فُوَاقا..

كانوا يهيئوننا للالتحاق بالمدارس والكليات العسكرية في الخارج.. وقد مكثت في ذلك التدريب ثمانية أشهر. ثم انتقلت للمدرسة العسكرية للمشاة في مونبلييه، ومكثت هنالك عامين، تخرجت منها ملازما، ثم عدت بعد ذلك لمركز التدريب في روصو لأتولى  بدوري تدريب مجندين و ضباط صف.. وقد قمت بتدريب زهاء 600 جندي.

بعد أن أمضيت في هذا المركز عاما ونصف عام، حصلت لي مشاكل في المركز مع مديره الضابط الفرنسي كابتين برفَيْ، الذي كان ذا نزعة استعمارية طاغية.. لاحظت أنه يسعى لإلحاق الضرر بي، حيث أنه لم يكن يود التعامل مع ضابط متميز عن خطه الاستعماري، وإنما يريده تحت إمرته، وطوعَ بنانه.. مع أنني كنت أواظب على عملي، غير أنني لم أكن أقدس أولئك المستعمرين.

تربص بي الضابط الفرنسي الدوائر،  فبعد يوم من أيام روصو الماطرة، وعقب تدريب كنت أقوم به لفرقتي، عدت للثكنة حوالي الساعة الثانية ظهرا، فطلب منا أن ننشف ملابسنا، ونقوم بكيّها في أجل لا يتعدى ساعة زمن، محذرا أنه سيمر علينا ليتأكد مما إذا كنا قد قمنا بذلك.. وكانت السماء لا تزال تمطر، فلم يكن تنشيف ملابسنا وكيها في هذه الفترة القصيرة ليتأتى لنا إلا بخرق عادة.. ولما تبين لي أن الهدف من ذلك لا يتعدى إثارة المشاكل لي، أخليت سبيل الجنود، ولم أعر أوامر الضابط الفرنسي أي اهتمام.. وحين مرت  ساعة، دخل  الضابط إلى غرفة الجنود وسأل عنهم، فقلت له: إنني أذنت لهم بالمغادرة، فقال لي: ألم تسمع أوامري، فقلت له: لقد سمعتها، غير أنها مستحيلة التنفيذ. فإذا كنت تريد تحقيقا في الأمر، فأنا على أهبة الاستعداد له.

كان الضابط يبحث عن مبرر لتوريطي، وقد أعطيته إياه، حيث أشبعته ضربا ورميت به في الطين.. فثارت ضجة كبيرة فضابط حَدَث، يقدم على ضرب مدير المركز. وكان يتولى قيادة الأركان العسكرية حينها ضابط فرنسي يدعى الكولونيل مورييه، وكان مساعده المصطفى ولد محمد السالك الولاتي .. كما لم يكن من المستساغ حينئذ  ضرب الفرنسيين.. فاجتمعت قيادة الأركان على وجه الاستعجال. و قال المصطفى ولد محمد السالك (الذي كان حينها رائدا) إنه ينبغي طردي من الجيش.. اما العقيد مورييه فقال إنها مشكلة تعني الضباط الموريتانيين فليحلوها فيما بينهم.. ولكن خلافا نشب بين ولد الولاتي الذي كان يصر على طردي وبين المرحوم أحمد بوسيف والمرحوم يالل، حيث قال بوسيف إنه ليس من الإنصاف الاستماع لحجة الضابط الفرنسى دون الاستماع لحجتي،  ثم أن طردي لا يمكنه أن يتم قبل أن تنعقد للبحث فيه لجنة تحقيق، تعد تقريرا عن الحادثة، يتم على ضوءها اتخاذ القرار العادل فيما يتعلق بي.
استجلبوني في سيارة لقيادة الاركان،  وتمت عقوبتي بالسجن شهرا.. ثم التقيت بقائد الأركان المساعد الذي شرحت له الأمر.. وقد استشاط ولد الولاتي غضبا، إلى شاء الله أن يأتي الضابط سويدات ولد ولاد، وكان حينها برتبة ملازم،  كما كان يقود كتيبة المظليين في الجريدة.. فلما سمع بالضجة التي أحدثتها بضربي للضابط الفرنسي، طلب من قائد الاركان المساعد ولد الولاتي أن يسلمه إياي، وأن يحولني لكتيبته.. فأجابه ولد الولاتي: لن تتفاهما، فكلاكما حاد الطبع.. غير أنه أصر على استصحابي.. فتم تحويلي من ضابط مشاة إلى ضابط مظليين.
واعتبروا الأمر عقوبة لي.

كان ذلك في العام 1968.

و لقد كان المرحوم سويدات الضابط الوحيد الذي استطعت التعايش معه اربع سنوات.

وفي نطاق التدريب، كان علي أن التحق أيضا بـ”الجمالة”، وهي فرقة كانت تتبع الجيش وقد اصبحت تابعة مؤخرا للحرس، وكانت إلزامية بالنسبة للضابط الذي يجب عليه ان يستمر فيها ستة أشهر، يجوب خلالها كل شبر من الأرض الموريتانية وهو يمتطي ظهور الجمال.. لقد كانت تجربة رائعة، يتعلم المرء منها الصبر وتحمل المشاق، وحسن تسيير المعدات و الآلات التي بحوزته. وكذلك  يتعود على التعامل مع الأشخاص.

.. و قد كانت مهمتنا تتعلق بتأمين الحدود.

حين كنت في اجريدة جمعني العمل بجدو ولد السالك، غير أنه لم يمكث طويلا.. ثم بولد عالي انجاي و البو ولد معلوم.. فقد سبقوني هنالك.
و كنت خلال فترتي باجريدة مساعد الملازم اسويدات.

كانت تربطني علاقات خاصة بجنود من أمثال سيدي محمد والقاسم ابني الصبار، والشيخ ولد الدي، الذين كانوا حينها ضباط صف.

كان كل ما لدينا كضباط حينها هو الإحساس بالوطنية، والشعور بضرورة تكوين جيش موريتاني قوي، قادر على الدفاع عن حوزتنا الترابية، ولم يكن هناك أدنى تفكير لدينا بالمكاسب والمنافع المادية.

عدت من تجربتي مع الجمالة الى فرقة المظليين باجريدة، وبعد أن مكثت فيها ثلاثة أشهر، اندلع في  شمال جمهورية الكاميرون حراك مسلح ضد رئيسها أنذاك آمدو أهيجو، فطلب من المختار ولد داداه، الرئيس الموريتاني ضابطا يكوّن له جيشه، ويكون له مستشارا في الشؤون العسكرية، فأرسلني إليه المختار.

وكان ذلك في نوفمبر 1971.

مكثت هنالك عامين كنت في ظاهر الأمر أباشر تكوينا في قيادة الأركان، غير أنني في الحقيقة، كنت أدرب له جيشه، و اعمل معه على قمع تمرد الشمال.. ولم أغادر الكاميرون إلا بعد أن توحدت في 1973.

كان المختار ولد داداه قد طلب من قيادة الأركان ان تنتدب لهذه المهمة العسكرية “ضابطا ممتازا”، فوقع اختيارهم علي.. وقد التقيته  يوم 11 نوفمبر، قبل سفري للكاميرون لقاء خاطفا،، لم يستمر  أكثر ثلاثين دقيقة،  أوصاني خلالها أن أحسن المهمة التي انتدبت لأجلها.

وقد أحسست بالفخر و الاعتزاز وأنا أحظى بثقة تمثيل بلادي، فيما يساعد دولة صديقة في حل مشكلتها، بما يفضي لتحريرها و توحيدها .

بعد رجوعي إلى أرض الوطن، قادما من مهمتي في الكاميرون، تم تعييني قائد “جبهة تحرير موريتانيا الشمالية”، وهي جبهة كان الهدف منها محاربة اسبانيا من أجل انضمام الصحراء لموريتانيا.

يتواصل

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى