شاهد

العقيد محمد ولد لكحل: لقد كانت معركة آوسرد ضروسا..

يواصل بطل حرب الصحراء، و أسطورتها محمد ولد لكحل، في هذه الحلقة من شهادته، سرد حقائق، يكشف عنها  للمرة الأولى، عن معركة آوسرد، فاستمعوا لرواية التاريخ بألسنة صانعيه:

المرحلة التي بدأت بالاستيلاء على لكويرة كانت بالغة الأهمية.. فبعد استيلاءنا عليها الذي كان في 19 دجمبر  1975 بدأنا استعدادنا لاسترجاع تيرس الغربية (منطقة واد الذهب، الذي يشمل بير كندوز وحدوده).. فقمنا بتهيئة الوحدات الخمسة المنتدبة لذلك، بتجهيزها وتكميل نقصها، ووضعها في حالة استنفار، و جعلها على طريق الانطلاق لأداء المهمة. و التي كانت تحديدا من “بير كندوز”.

و أود أن أشير هنا، إلى قائد المجموعة رقم 1 أحمدُّ ولد عبد الله قد تم استبداله بفياه ولد المعيوف، الذي كان قائدا للدرك.

انطلقنا من لكويره إلى بير كندوز التي تبعد عنه حوالي 120 كلم، فكانت نقطة الانطلاق لاحتلال الصحراء، حيث اجتمعت الوحدات، واتجهت إلى “العركوب”، الذي نشبت قبل وصولنا له مناوشات ، قبل أن نستولي عليه، في 10 يناير 1976.

وكنا قد اصطدمنا يوم 9 يناير بمقاتلين من البوليساريو في مكان يدعى “كركر” فكانت معركة شرسة، بدأت من الواحدة ظهرا إلى  ما بعد غروب الشمس، وقد استشهد فيها قرابة ثمان جنود موريتانيين، كما خسرنا أربعة من سياراتنا، كما جرح منا ضابط من الدرك يدعى “لوو”.

وفي اليوم الموالي واصلنا معركتنا للعركوب ولكننا حدنا عن الطريق التي كان من المقرر أن نسلكها إليه، إلى طريق أخرى.. حيث مررنا عبر ضفاف البحر حتى نأمن الكمائن التي كانت جبهة البوليساريو قد أعددتها للإيقاع بنا.. فدخلنا العركوب من حيث لم يكن لهم في الحسبان.

خسائر الجانب الثاني لا يمكن  تحديدها بدقة، بل يمكن الجزم بإن قتلاهم بلغوا سبعين قتيلا، على أقل تقدير.

لقد ألقينا عصا تسيارنا، وأقمنا فيها ستة أيام، قبل أن نغادرها، أذ أن من التقاليد  أنك تقيم في المكان الذي تستولي عليه أياما إلى أن تستتب لك السيطرة عليه، و تلملم  أمورك، فتعوض مما نقصت من الذخائر، و تصلح الخسائر التي لحقت بك.. ثم تستعد للمعركة القادمة.

وقد رحب بنا السكان، و صرّحوا لهم أنهم مع المنتصر منا، نحن أم البوليساريو.

بعد أن قضيبناها أياما ستة في  العركوب، سلكنا لمغادرتها طريق آوسرد، الذي تكتنفه وعثاء رمال “أكركر” بالغة الصعوبة، كما اعترضتنا جبهة بوليساريو هنالك بحشد كبير من مقاتليها، حيث كانت تدرك أنها الطريق الوحيدة التي يُتاح لنا أن نسلكها.. فنشبت وبينهم معركة ضروس بدأت من ساعات الفجر الأولى إلى ما بعد غروب الشمس،  حيث استولت قواتنا على  “أكركر”، وقد تفجرت خلال المعركة ألغام أودت بثمانية دركيين موريتانيين.

و كان ممن شارك من الضباط معنا في المعركة، النقباء سيدي ولد محمد يحي،  وباب جالو،  وسيدي ولد مولاي اعل، الذين كانوا يقودون كتائب أخرى.

كان المقدم فياه ولد معيوف هو من يقودنا ويوجهنا، وكان رجلا شجاعا فَرديا، ولكنه لم يكن كذلك ميدانيا . فلا خبرة له بالتخطيط.

كان ذلك في ظل تولي محمذن ولد باباه لوزارة الدفاع.

وصلنا “آوسرد” يوم 16 يناير عند منتصف النهار، ولكننا لم نهاجمها إلا عند الساعة الثانية ظهرا.. وكان ت جبهة البوليساريو قد اجتمعت فيه بقضها وقضيضها. حيث كانت آوسرد  عبارة عن هضبة يبلغ طولها سبعة كيلومترات أما عرضها فأربعة، وكانت البوليساريو تستولي عليها جميعا.

 البوليساريو توقعت هجومنا عليها من الشمال فباغتناها من الجنوب. ولكننا ارتكبنا خطأ  حيث أننا وصلنا عند  الظهيرة وكان بإمكاننا مداهمتهم، غير أن قائدنا أعطانا أوامر بالتريث و أخذ قسط من الراحة و انتظار نهاية المقيل، مما أعطاهم فرصة نقل قواتهم من الشمال إلى الجنوب، حتى أصبحوا في مواجهتنا. و اندلعت المعركة عند الساعة الثانية ظهرا، واستمرت إلى أن جنحت الشمس للمغيب.

وكان عدد القتلى في الجانب الموريتاني عشرين قتيلا،  ولكننا استطعنا في النهاية أن نهاية أن تستولي على بوابة آسورد، حيث تقع قرية صغيرة، أما بقية الهضبة فلم نتمكن من إحكام السيطرة عليها.

كانت الحرب أشبه بالمصارعة، فكان كل فرد  يجالد قِرنه على حدة،  فأسرنا  منهم وقتلنا، واستمرت المنازلة ثلاثة أيام، إلى أن أحكمنا السيطرة النهائية على جميع الهضبة.

و قد خسرنا حوالي سبعين شهيدا، أما قتلى البوليساريو فتم تقديرهم بمائتي  قتيل.

كانت آوسرد  مركز قيادة جيش البوليساريو، وكانت الاستراتيجية تقتضي أن نحتلها أولا،  ثم نأخذ استراحة محارب، نقدر فيها الخسائر، ونعوّض النواقص، ونطلب تمويلا جديدا، كيما نكون مهيئين للمعركة القادمة.

انسحبت الجبهة، و لممت شتاتها في منطقة تشل، حتى حدود الجزائر،  حيث كانت ترتب طريق الكر لاسترجاع  مكان قيادتها في آوسرد.

مكثنا في آوسرد أربعة أيام ثم نفد التموين، فكان علينا أن نبعث قافلة مؤلفة من أربع وحدات للزويرات للتزود منها بالمؤن.. كانت وسائل النقل حينها محدودة جدا بالنسبة للجيش، كما كانت حاجتنا من الدخيرة والتموين كبيرة.. فكنا نستجلب حاجتنا حتى من الماء البارد من مدينة الزويرات، التي تبعد عنا 350 كلم.

عادت قافلة المؤن للزويرات في  27 يناير، فوجدنا أن “الجبهة” عادت فاحتلت آوسرد في غيابنا،  ولم تطلق نارا على وحدة الدرك التي كانت ترابط في ثغور آوسرد، منتظرة عودة وحداتنا من الزويرات.  وحين عدنا وتقصينا الأخبار أخبرنا الدرك أنه لم يلاحظوا أمرا مريباً،  ولكننا تشاورنا فيما كان يخالج نفوسنا من ريبة، فارتأيت أن لا ندخل آوسرد تلك الليلة، فرابطنا  غير بعيد منها، و أرسلنا وحدة اكتشاف، غير  أنها ما أن شارفت هضبة أوسرد حتى أطلقوا عليها الرصاص، فانطلقت الشرارة، وتفرقت وحداتنا على الهضبة، ثم عاودت احتلالها.. غير أن ذلك لم يكن سهلا، فتلك الحرب المعاكسة استغرقت تسعة أيام، من المعارك الطاحنة، المتواصلة ليلَ نهار .

وقد بلغ أسرى البليساريو فيها ستين أسيرا.. اما الشهداء من الجيش الموريتاني فبلغوا 150 شهيدا، على أقل تقدير.

ألقينا عصى التسيار في آوسرد بعد سيطرتنا المطلقة عليها، وكانت هي آخر معاقل البوليساريو التي سقطت في أيدينا.

محمد ولد أحمد العاقل

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى