نوحيات

القناع..!/ الشيخ نوح

في النقد يستخدم النقاد مصطلح القناع للإشارة إلى ما يتخذه الشاعر معبَّرا به وليس معبرا عنه في لعبة المجاز المعقدة؛  فقد يكون القناع رمزا أو أسطورة لأن الرمز والأسطورة أرضية صلبة يمكن الوقوف عليها في رحلة الشاعر نحو الأراضي غير المخصخصة؛  والأمكنة التي لم تعفنها الأقدام والدروب التي لم تطمثها خيول اللغة الجامحة.. إذًا القناع هنا يكون بعدا جماليا فالشاعر والمبدع وحده هو من يتخذ من القناع مكياجا يجعل الوجه أكثر حقيقية من حقيقته، ألم يقل أحدهم إن البشر اخترعوا المجاز حتى لا تقتلهم الحقيقة؟

لكن القناع الذي نتحدث عنه هنا مختلف قليلا فهو القناع الديني لكل تصرف بذيء؛ ففي المجتمعات المحافظة و المؤمنة؛ والتي تحب الدين كثيراً وإن كانت لا تلتزم به تصبح فرضية قبولها بوجود منحرفين كشيء طبيعي في كل مجتمع بشري مستحيلا؛ ولكن الانحراف يعبر عن نفسه بشكل يخدم “النسق”  العام بحيث يصبح مقبولا كشيء طبيعي!

الأفعال الخيرة والنزيهة عادة تحمل قيمتها وتستمد قوتها من ذاتها بوصفها فعلا جميلا مستقلا لا يحتاج يدا خارجية لتبرير أو تلميع جماليته؛ غير أن الأفعال المشبوهة والمنحرفة وغير الصادقة هي التي تحتاج لبهرج وإضاءة وفنان ديكور ومخرج قدير من أجل إبراز جماليتها وخيريتها المزعومة.. هل مثلا من أجل التبرع لبناء دار للأيتام يحتاج الأمر أن تنشئ حسابا على الفيس بوك للتحسيس بذلك؟

هل كتابة نص يعبر عن آلام الموجوعين وتسيل منه دموع اليتامى والأرامل وينتصر للإنسان أينما كان يحتاج مؤتمرات صحفية وتنظيما واسما وميزانية؟

هل رسم لوحة غارنيكا تطلب ترخيصا من الحكومة في نظام الدموي افرانكو؟

إذًا اتفقنا على أن البراميل الفارغة وحدها هي التي تملأ الدنيا ضجيجا..

في مجتمعاتنا الإسلامية المحافظة لا يمكن أن تكون مجرما بدون رتوش؛  لأننا تربينا على النفاق والمواربة في كل شيء؛ فحتى اللصوص وسراق المال العام والقتلة والمشعوذون والمغتصبون يفعلون كل ذلك باسم الله والدين في مجتمع لا يميز بين الوحي والرأي؛ بين العالم والظالم لنفسه، فيكفي أن تقول كلاما غبيا وعنصريا باللغة العربية ليصبح مرجعا ونصا مقدسا مثل “لا خير في الحداد..” وغيرها كثير.

في مجتمع يمكنك أن تغتصب الأمهات والبنات وتهين كرامة الإنسان بلطسم فارغ.

في بلاد يمكنك أن تربي لحية كما تربي كبشا وأنت بائع مخدرات لا يشق له غبار..

في مجتمع يطالب السارق بتطبيق الشريعة؛ وتطالب المومس المتزوجة بتفعيل الرجم وينادي الرجل الخصي بتعدد الزوجات ويصرخ مقطوع اليدين بحقه في العزف على البيانو!

في بلاد المتناقضات والانفصام حب الرسول الأعظم يعني الشبق المجنون بالنساء البريئات؛  والالتزام بالدين يعني جعل العبودية الظالمة للبشر ركنا سادسا من أركان الإسلام؛ والمواساة والأخوة الدينية تعني الدفاع عن وضع مريض قائم على تراتبية وجاهلية متعفنة تقزم الإنسان إلى درجة ما تحت الحضيض.

وخلاصة القول أنه في مجتمع مثل المجتمع الموريتاني هذا يمكنك ممارسة كل الرذائل وما عليك إلا أن تكتب أو تتلفظ قبل أية جريمة بآيات قرآنية أو أحاديث أو مأثورات أو حتى هلوسات؛ فالمهم أن تحتمي خلف حروف من اللغة العربية الفصحى أو خلف صاحب عمامة مشتراة من مخصصات بناء المساجد أو من بيع الوهم للجهلة والفقراء والمحبطين وما أكثرهم؛  وستصبح نبي القرن الواحد والعشرين في أرض يوما لم تنبت الأنبياء!

الاكثر قراءة

لأعلى