نوحيات

“المقدمة” أو “المؤخرة”؟!/ الشيخ نوح

 

*نقطة نظام:

 لا أتحدث هنا عن مقدمة ابن خلدون المثيرة للجدل
 ولا عن ..!
.
.
كم مرة ترنحت حتى كدت أرقص -بل رقصت-وأنا أقلب الصفحات الأولى لكتاب ما؟!

في الدفقة الأولى من القراءة تنتاب المرء لذة عارمة؛ ممزوجة بنكهة من الدهشة البكر ؛تذكر بالرعشة الأولى لمراهق ويداه تتلمسان الطريق نحو نهد دافئ ينفر كغزالة من فوهة بندقية صياد.

إن عملية فعل القراءة له لذة أيضا ولذا قالت الشاعرة والكاتبة جمانة حداد مرة “I don’t read the books i make love with it” ولعل في مصطلح “لذة النص” شيء من هذا المعنى إن أردنا التعسف في التأويل ولي أعناق العبارات، وهل الجمال إلا طفل صامت يتدثر بمنديل من التآويل ولي أعناق الكلمات؟

مقدمات الكتب عصارة مركزة ؛وجرعة قوية من المادة التي يتناولها الكتاب وهي مدخل إلى عالمه ضروري لفتح مستغلقاته والإبحار في عوالمه التي تظل تفاصيل تبحث عن ملخص تماما كما أن المقدمة رشفة تبلل الحلق ولا تقضي على العطش نهائيا.

لقد أعجبتني مقدمات كتب عديدة حتى كدت أحفظها مثل مقدمة كتاب “حرب الخليج أوهام القوة والنصر” لمحمد حسنين هيكل ؛وكتاب “صورة الأسود في المتخيل العربي الوسيط” لكاتبه د.كاظم جهاد وتقديم د.عبد الله الغذامي؛ ومقدمة مسرحية “أوديب ملكا” لتوفيق الحكيم؛ ومقدمة رواية “الجميلات النائمات” للروائي الياباني ياسوناري كاواباتا والتي قدم لها غابرييل غارسيا ماركيز ؛ومقدمة الطبعة السابعة من كتاب “الثابت والمتحول” لأدونيس.. والقائمة تطول…إلخ.

إن مقدمات الكتب شهوة لا يمكن الكف عنها فهي مفتتح الغواية والشغف بنفس الكيفية والكمية التي تكون فيها القبلة مفتتح الحريق الذي لا ندري أين سيوصلنا؛ إنها اندلاع الثورة وبداية الخلق وابتسامة الجميلة على ضفاف الوقت حين يصبح القلب ساعة لها زمانها الخاص ودقاتها الخاصة التي لا تعترف بالزمن الدائري..

مقدمات الكتب تحدد غالبا طبيعة وجودة ما بعدها فهي بمثابة الأعتاب بالمعنى الصوفي؛ ففيها تتبين ماهية الطقوس وقدر الملح؛ ونكهة الكتاب وأحيانا قد أجازف وأقول إن مقدمة الكتاب هي الصبغة الكروموزومية له؛ أنا مقتنع بهذا بنفس الدرحة التي أقتنع بها بأن الحياة مدرسة وكل فرد كتاب يحتاج من يكتبه ومن يقرؤه بالتالي لأن القراءة حزء نن المتابة بعد أن ألقى المتلقي بمنديل الحياد في مزبلة التاريخ!

كلما عانقت كتابا تخليت عن كل ملابسي وعن جلدي حتى فأدخل من بوابته حرا محررا إلا من رغبة جارفة في التوغل والذوبان استعدادا لسفر آخر في كتاب آخر أتصور مقدمته أنثى رائعة تستقبلني بذراعين مفتوحتين تتدلى منهما رائحة البخور كما تدلت فاكهة الغواية الأولى في جنة آدم، إنني أتحضر وأتهيأ وأريق شيئا من العطر حتى ليظن السذج أني على موعد مع ثلاثينية عاشقة، ستأخذني في رحلة إلى ما وراء الطبيعة؛ أو إلى رحلة إلى الله!

الأنثى غواية لا تنتهي ؛وسفر لا يتوقف نحو الدهشة والمتعة ،والكتاب كذلك ضياع لذيذ في أدغال السحر؛ والقراءة انقياد وانسياب حد الماء مع الأفكار والكلمات؛ والمسافات التي تعلمنا كيف نسير دون أن نمشي؛ وكيف نجرب الحياة دون أن نحياها؛ وكيف نكبر في وقت وجيز دون أن نشبخ؛ وكيف نتحول إلى ملائكة وشياطين نقتات على عبق الورق؛ ودخان الكلمات و رائحة اللغة.. إن الأنثى والكتاب ضفتان لنهر واحد؛ ف”مقدمة” الكتاب قد تثير الحماس إلى احتضانه بنفس القدر الذي تفتح به “مؤخرة” الأنثى الشهية لاحتضانها ظهيرة سبت على الشاطئ، وللسبت قصة أخرى ربما نعود إليها فقد قال الفرنسيون: إن السماء لا تسقط يوم السبت..!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى