بالهمس

المهلّب والمُحلِّب والمغدور بهم والضالين/ أبو العبّاس ابرهام

“وسمّاهُ بعضُهم الكّذاب. وبعضُ النّاسِ يظنُّ أنّه كذابٌ في كلِّ حالٍ؛ وليس كذلك وإنّما كان يفعلُ ذلك مكايدةً للعدو.”
ابن الأثير عن المهلّب ابن أبي صفرة

في صيف 2007 تمّ تعيين العقيد محمد ولد عبد العزيز، وهو ضابط طائعي مخملي مما بعد الجيل البطولي الذي شارك في حرب الصّحراء وعرف المعارك، قائداً أمنياً برئاسة الجمهوريّة. لاحقاً سيعترفُ الجنرال بأن ذلك التّعيين كان منصب المسؤولية الوحيد في مساره “المهني”. ولكن التّاريخ لا يقول أنّه أدّى الأمانة. و”المسؤوليّة” في النِّظام الحديث هي “الأمانة” في النِّظام القديم. وظيفتُها كوديعة تُضمن بقوانين وأنظمة واجبات، إضافة إلى تحليف صاحب المسؤولية. حلَفَ العقيد على حراسة النِّظام الديمقراطي وعلى تأمينِه. بعد سنة تناسى العقيد، الذي أصبح في الغضون جنرالاً (تماماً كما أصبحَت للأسد بندقية، كما في الأقصوصة الشّعبيّة) قَسَمه؛ وانقلبَ على النظام الدِّيمقراطي بحجة أن إقالتَه من منصَبِه ستُسبِّبُ حرباً أهلية في موريتانيا. الآن، وفي الحقيقة كان، كلّ أحد يعرفُ أن هذه الحجة كانت كاذبة. باختصار: لقد خان كلمته. ولكن هذه الخيانة كانت فاتحة لمئات غيرها.

2

كان لحزب التّكتل ماضٍ نضالي كبير. ورغمَ ترؤسه المعارضة الديمقراطية 2007-2008 إلاّ أنّه رفض، بعد مهلة ثلاثة أشهر، مداهنة النِّظام المنتخب. وبعكس حزبي “اتحاد قوى التّقدُم” و”تواصل” فإنّه استنكف عن مشروع الديمقراطية الانتقالية التّصالحية ورفض، عكسهما الائتلاف مع النظام المنتخب في مايو 2008. في يونيو 2008 عقد “التّكتُلُ” مؤتمره الأول، الذي لم يستطِع عقده في كلِّ سنوات القلاقل وأعلن فيه عن فشل الرئيس المنتخب ودعا فيه لاستقالته. وبعدها بدأت شراكته الدستورية مع النِّظام تتفكّك. في يوليو 2008، في قمة أزمة “حجب الثِّقة” بدا واضحاً أن هنالك تنسيقاً بين “التّكتُل” والعسكر. كان التكتل يريد إعادة اللعبة الديمقراطية التي يعتقدُ أنّه غُبن فيها بتدخل العسكر لصالحه. ويبدو أن التّكتل كان مستعداً لتمرير انقلابٍ عسكري مقابل انتخابات حياديّة لا يُشارِكُ فيها العسكر. يبدو أن الجنرال عزيز، المُتمرِّد في حينه والمتحصِّن بمنطقة عسكرَها بتفرغ زينه، والباحث عن شمّاعة سياسيّة تنقلُه من الدِّفاع إلى الهجوم، وافقَ على هذا. أدّى التكتل ما عليه بوصف الانقلاب بـ”الحركة التّصحيحية”. ولكن الجنرال عزيز نكثَ بكلمته القاضيّة بسحب العساكِر من السياسة وقضى بتمرير قرار ترشُّحِه في “الأيام التّشاوُريّة” الصُّوريّة في نفمبر 2008. خان كلمته مرةً أخرى. ستغدو هذه عادة.

3

بعد ردحٍ من المُناوشات مع المُعارضة والمثقفين والعمال، وحتى رجال الأعمال، وفي ظلِّ إحباطٍ دولي تجاه موريتانيا، البلد الذي كان يُشار إليه قبل قليل أنه طليعة الديمقراطيّة العربيّة، بدا أن انقلاب 2008 لن يمُرّ كانقلاب تقليدي. وبالاستعانة بالضّغط الدّولي استسلمَ انقلابيو نواكشوط للضغوط. وقرّروا توقيع الأوراق القاضيّة نظرياً بخروجِهم من السُّلطة والسّماح بمخرجٍ دستوري من انقلاب 2008. تاريخياً يُعرفُ هذا باتفاق دكار (يونيو 2008). دعا “اتفاق دكار” إلى انتخابات توافقيّة تُسيِّرُها حكومة وطنية ائتلافية ودعا إلى إجراءات رقابية وتنسيقية بين المعارضة والانقلاب لتسيير مرحلة من تصفيّة العسكر وتسهيل السِّياسة المدنيّة من خلال حوار مشترك بين المُعارضة والموالاة. في يوليو القادم ضرب الجنرال عزيز تعهداته وخرق توازن القوى في حكومة اتفاق دكار واشترى اللجنة المستقلة للانتخابات وضرب تمثيل المُعارضة فيها واستدعى الهيئة النّاخبة رغم أنفِ الحُكومة الائتلافية ومنَعَ توسيع اللوائح الانتخابيّة وزوّر الانتخابات. نكث بعهده. شبّ على الطّوق.

4

كان حزب تواصل حزباً مُناضِلاً في الجبهة الوطنيّة للدفاع عن الدِّيمقراطية إلى أن حانت انتخابات 2009. عندها خرج الحزب الإسلامي من مشروع المُرشح المُوّحد للجبهة وقال إن عداوتَه مع ولد عبد العزيز انتهت وقدّم مُرشّحاً مستقِلاً. وبعكس كلِّ المُترشحين الكبار لتلك الانتخابات (بما فيهم ـ ولو مُؤقتاً- حمادة ولد أميمو) فإنّ حزب تواصل سارَع بالاعتراف بالانتخابات (التي لم تعترف بها اللجان التي راقبتها كالمعهد الديمقراطي الأميركي واللجنة العربيّة لحقوق الإنسان)، واعترفَ بها حتّى قبل تصحيح نسبته الانتخابية ورفعها بنسبة 1%. وقد رفضت الماكنة الدِّعائية الإسلاميّة اعتبار دعاوي التّزوير البتة وصمتت عنها إلاّ من خلال كاريكاتوريّتها وتسخيفها في قالب إخباري. وفي يناير 2010 وفي ظلِّ صعوبات وأزمات للنظام قام حزبُ تواصل بالائتلاف مع النِّظام في انتخابات مجلس الشيوخ؛ وظهرَ تحت فصيلة سياسية جديدة اسمُها “المُعارضة النّاصِحة”. ورغم نكران رئيس حزب تواصل لما قاله الحزب الحاكم في 2011 من أن حزب تواصل كان يتفاوضُ سِراً مع النِّظام على المشاركة السياسية إلاّ أن الوثيقة الأميركية أظهرت أن السيِّد جميل منصور كان بالفعل يريد المُشاركة في حُكومة الجنرال عزيز. مرةً أخرى قدّم حزبٌ مُعارِضٌ ما عليه. ومرةً أخرى نكثَ الجنرال عزيز.

5

كان حزب حاتم حزباً ذا أصولٍ انقلابيّة، إن لم نقل ثوريّة. وقد ترجم رصيده إلى حضورٍ مُعتبر في مناطقه الأهلية في انتخابات 2006؛ وحلّ سادسا، من بين عشرين مترشِّح، في رئاسيات 2007. وبطبيعة الحال فإنّه تلقّى وُفوداً من انقلابيي 2008. ويبدو أنّ السيِّد حننا لم يكرَه الجنرال عزيز كثيراً، إذْ سُخِرَ بأنّه يُذكِّرُه بشبابه. وسرعان ما وجد السيِّد حننا نفسه في المكان غير المألوف في أغلبيّة الجنرال عزيز، بين كلِّ ذلك الكّم من الأكتاف والمناكب وبين روائح أولئك “المتملِّقين” و”البرجوازية العفنة” ورجال الأعمال وشيوخ القبائل. وبعكس رفيقه سلاحه محمد ولد شيخنا، الذي تحوّل من ثوري إلى شهبندر (تعني شهبندر: شيخ الميناء)، فإن ولد حننا ملّ من مواعيد ولد عبد العزيز. وفي 2011 صرّحَ ولد حننا أن الجنرال عزيز لم يفِ بتعهداته لحزب “حاتم”. وغادر الأغلبيّة إلى المعارضة. مرةً أخرى خُدعَ واحد. بقيّ آخرون.

6

كانت لحزب “الحركة من أجلِ إعادة التّأسيس” شراكة مع نظام 2008. وكان حاميدو بابا حوّلَ ماضيه النِّضالي في “التكتل” إلى شخصية وطنية مستقلة. كان مفاوضو ولد عبد العزيز قد استدرجوه في مطلع 2009 إلى الانسحاب من حزب التكتل ودعم الجنرال عزيز. وبغضِّ النظر عن الجدل بخصوص فحيح النقود هنا فإن المناضل الحرون أبدل جلده وقلبَ ظهر المِجن لحلفائه. ولم يكن السيِّد بابا ملولاً، وانتظر بهدوء الصّياد وصبره. ولكن الفريسة الموعودة، كأنّها عذراء قربان، لم تخرج أبداً. وسلّى صاحِبُنا نفسه بالجلوس في “المعاهدات” وأحلاف الفضول ودردشات العموميات في كُلِّ مناسبة. ولكن بدا واضِحاً أن النِّظام رفض الالتزام بتعهداتِه للحركة. ولم يخرج كان هاميدو من الموالاة إلى المعارضة الصُّوريّة إلى المعارضة الراديكاليّة إلاّ عندما تأكد أن مُحاوِرَه غدر به. فعلها مرةً أخرى.

7

كان مسعود ولد بولخير أسطورة حيّة. وفي 2009 وافقت موريتانيا المُعارِضة، باستثناءات، على جعله مرشّحها في اللّحظة الفارِقة ضدّ الجنرال عزيز. بعد ذلك بدأ النِّسر رحلة الهبوط. قيل إنه قابل الجنرال عزيز في تفريتي في 2009. بعدَها ألغت “الجبهة الوطنية” تظاهرة كبيرة ضدّ تزوير الجنرال عزيز للانتخابات. ظلّ ولد بولخير شديداً طوال 2010؛ وإن بدأ يتثائبُ كلمّا أثيرت نوايا التّصعيد. وكان يُغادر مجلس الحرب بإلقاء اللّوم على أمراض الظّهر. في أواخر 2011 لم يستطِع كتم مشاعِره وأطلق صيحته الشهيرة: “المجد لمحمد ولد عبد العزيز”. جلس مع الدّاهيّة وناقش معه حوار 2011. ولكن مع 2014 كان الجنرال قد غدر بولد بولخير وخدعته “اللجنة المستقِلّة” للانتخابات. وضُحيّ به انتخابياً. أُصيبَ بالذُّهول وأدخل عبارة “لجنة لخروطي” في أوراده. انسحب من مؤسسة المعارضة المُتمخِّضة من انتخابات 2017. ولفترة، قبل إحياء المحاولة معه، بقيّ يغمس أصبعه في التًّراب كُلما ذُكِرَ له ولد عبد العزيز. صريعٌ آخر للغدر المنهجي.

8

في 2010 كان الجنرال عزيز يحلب رجال الأعمال المُعارضين للتعويض عن عجز الموازنة. وقد عُرِفَ حينها في أوساط ضيِّقة بالحلاّب. (سيُعرفُ لاحقاً في أوساطٍ أخرى بـ”الحفار”). بعكس المُهلّب، لم يكذب المُحلِّب يكذب فقط على أعدائه؛ لقد، وهنا المأساة، كذب حتى على أصدقائه.

9

في بلاط الجنرال كان الدّدوار يحيي ويُميت بإذن الله. وقد جعل الجنرال عزيز من السيِّد ولد الغيلاني ماكارثيَ نظامِه. وما إن بلغ أشدّه الفاشي حتى أوكلَ له مهمة مُطاردة السّحرة: رجال الأعمال، والمُنافسين الماليين للجنرال عزيز، الإداريين، الصحفيين، أحمد ولد خطري وحنفي ولد دهاه وولد آكاط ومولاي العربي ولد مولاي أمحمد. كلُّ شيء له أجنحة أو روح. كلّ شيء. مرّر الجنرال عزيز صفقة تراضٍ لبناء سجن آلاك لإشباع ماكارثيِّه الوفي. ومع نهاية 2011 كانت إنجازات الجلاّد شاهِدة: جعل أكثر من ربع مساجين نواكشوط محبوسين تحكُمِياً. ولذا تمّ ترقيّتُه من مدعٍ عام إلى رئيس المحكمة العُليا. تحوّل من مُطارِد السّحرة إلى سجان؛ من مُمسِك البوق إلى حاجب للغولاغ؛ ومن حابلٍ ونابلٍ إلى رئيسٍ لنورمبورغ. وكانت هذه تبدو كنهاية سعيدة للأشرار، لولا سُلطان الغدر. في 2012 ظنّ ولد الغيلاني أن خدماته الزّبانية لحليفه ستنفعه في معركة ليِّ الأذرعة مع وزير العدل الجديد. وتطاحن معه تطاحن الضّرة مع ضرّتها بُعيد دخولِها الحريم.

للمفاجأة خسر الغيلاني الرِّهان، لأنّه لم يعد مهماً للجنرال. ورغمَ أن الدستور كان يقِفُ معه إلاّ أن الجنرال غدر بالدستور وأقال الغيلاني من مأموريته بالقوة. غادر السيِّد التّاريخ بركعتين شهيرتين وانضم لأسفل قائمة المطعونين في الظّهر.

10-

كان ولد بوعماتو حجر انقلاب 2008، ليس امتعاضاً من أي نظام قبله، ولكن استثماراً فيه، وتحديداً، احتكاراً له. وفي نفمبر 2008 بعث بشهادة إلى البرلمان الأوروبي ينكر فيها الطبيعة الانقلابية للانقلاب ويصفه بأنّه انتصار السوق الحر والحرية. وقد تكلّفت مجموعة بوعماتو بانقلاب 2008 وفندَقَته وشحنت مستلزماتِه وسوّقته في أركان الجمهورية الأربعة. وحضر بوعماتو شخصياً بدرَ النِّظام، مهرجان عرفات في يوليو 2009، وناشد كلّ من استشفى في مستشفياتِه أو استفاد من أفضاله التّصويتَ للجنرال عزيز. وبرغمِ حصول بوعماتو على رخص تنقيب واستفادة مصرفه من الودائع الحكومية، وتحوله إلى التايكون الأول في البلد، خصوصاً بعد معركتِه المشتركة ضدّ آل نويكَظ وآل عبدالله، الذين ذكرهُم حرفياً خطاب عرفات، إلاّ أن معركة كرامة سرعان ما نشبت. وأُصيب بوعماتو بسهم غادر: حاصرت قوات ولد الرّايس مصرفه وأُطلِق عليه مستحدثو نِعمتِه؛ أُخذَ مُساعدوه رهائن؛ وخُتِمَ بالشّمع الأحمر على دكاكينه؛ ونُكِبَ نكبة البرامكة. آخر مرة شوهدَ فيها كان يقول ما اختلف الرُّواة هل هو: “حتى أنتَ يا بروتوس” أو “اتقِّ شرّ من أحسنتَ إليه”.

11-

كانت نظارة ولد الرّايس ومشيته المُتباطِئة وتوجساته وقلقه يجعله أقرب إلى شريف نوتنغهام منه إلى جاك نيكر (وزير المالية قُبيل الثورة الفرنسيّة). كان مالِياً ولكنه، كما في “رأسمالية الكوارث” كان معضّداً بالأمن. باختصار كان نوعاً من أحمد نظيف، الذي لم يكن نظيفاً، والذي، برغم يافطته كتكنوقراطي وكـ”مُصلح”، كان مافيوياً معلومَ المافيوية. من أجل ولد عبد العزيز انقلب ولد الرّايس على حكومة هو وزيرٌ فيها بحجة أنّها غير شرعيّة. لأجله وضعَ الأنشوطة حول رقبته. وقد فعلَ هذا آخرون سرعان ما غُدر بهم. ولكنّ الرايس اصطُفيّ لدورٍ أكبر:
قُلِّدَ أمانة البنك المركزي. كان نوعاً من الدّدوار، باستثناء أنّه كان جزّارِ المال، لا الأبدان. ضرب المصارِف في 2010 في عملية انتقام سياسي. وسمعَ من جنراله همساً في الأذن فانقلب على زبونه السّابق، وفي رواية وليّ نعمته، بوعماتو. وبطبيعة الحال فلم يكن مضغ أحمد ولد مكَية ليطرح له مشكلة. كانت مشكِلته الوحيدة هي أنّه كان مُتحمِّساً ومُطيعاً. وهنا فاحت رائحته. انتبهت له المؤسسات الرِّقابيّة الدّوليّة. وطولِب بكبش فداء. وبسرعة نفّذَ جنرالنا وصيّة مافيوية: أطلق النّار على الجميع. ووُضِعت المأسورة في صدغ الرّايس ووضع في كيس ورُبِطت أقدامه بحجر ورُميّ في الماء.

12-

شيءٌ ما جذب الشيخ محمد الحسن ولد الدّدو إلى الجنرال عزيز. وقد ندّدَ الشّيخُ بالإنقلاب في مصر بأكثر مما ندّدَ به في بلده. ومع 2010 أصبحت صّداقته للنظام تشريفيّة. وبدأت صوفيّة البِلاط في التّمغُص من الضرة الجديدة. وقد وُلِدت لوبيّات إعلاميّة تُعمِّقُ هذه الصداقة. ودخلَ أشياع الشّيخ جدالاً مع أتباعه هل هو بيرق أم بيرق. ولكن الحقيقة أنّه كان يتجِّه إلى يُصبحَ بيلق (السيد في الإقطاعية العثمانية الذي له أحياناً تمثيلٌ في البلاط). وبدأ الشيخ يلعبُ دورَ الوساطة بين النِّظام وخصومه من رجال الأعمال. وحتّى في وقتٍ متأخر، في 2012، كان الجنرال عزيز، وهو رهين مستشفى فرنسي بُعيدَ إصابتِه برصاصة غامضة، ما يزال يتصِّل بالشيخ الدّدو. ثم فجأة بعدت الشقة. اعتبر وزير إعلام الجنرال أن الشيخ خرق القانون. ومع تورُّط الإسلاميين في ثورة المصحف قام النِّظام بمصادرة جمعية الشيخ الخيريّة وأغلقَها. كانت حمولة الشيخ قد أصبحت ثقيلة. وهكذا تمّت تصفيته سياسياً.

13-

هذا غيضٌ من فيضٍ. هل يُمكن إنهاء هذا الحديث؟ من ومن؟ الجنرال محمد ولد الهادي، الناهة بنت مكناس. محمد الأمين ولد الدّادة، محمد محمود ولد محمدّو، صار إبراهيما. بيجل ولد هميد. بيرام ولد اعبيدي. عشرات. مئات. لم يترك الغدر شيئاً للفجر.

14-

ليست ملحمة النكث والغدر التأسيسيّة لمعاملاته مجردِّ قصة شذوذ موسيليني وانعكاساتُ شخصيتِه على السياسة المحليّة. إنّها قضيّة استيراتيجية أكثر مما هيّ قضيّة طبيعة. ولذات الأسباب فإنّها تعدّت الأحزاب والشّخصيات إلى المعاهدات والاتفاقات. كان القانون هو التّالي: النِّظام يتعهد في لحظة الحاجة وينكثُ في لحظة الإشباع. النِّظام يفتحُ الحِوار وقت القلاقل؛ ويُغلِقُ الحوار وقت الاستقرار.

14-1-

في منتصف 2010 كان النِّظامُ يُعاني من انقشاع الآمال بعد أزمة الطّاقة وتزايد البطالة وعدم تصريف الموارد الدوليّة. ولم تأتِ أسفارُ الجنرال الكثيرة بعوائد معتبرة. وحتى القذافي، أول من زاره الجنرال بعد “الانتخابات”، لم يصرف له سيولتَه الموعودة. وهكذا بدأت المُعارضة تتلقّى إشارات حسن النيّة وعروض الباب المفتوح. وبدأ الحديث عن متابعة مقررّات دكار يعود. بحلول أكتوبر 2010 تدخّلَ المانِح الأوروبي من بروكسل وصرفَ أربع مليارات دولار لموريتانيا. بعدها اختفت قصص الحوار. ورفعَ، بعبارات مختلفة، شعار: لا حوار، لا استسلام.

14-2-

ولكن أزمات نظام ضعيفٍ لا تختفي. ومع منتصف 2011 اتضّحَ أن إجراءات التقشف لا تساعد على التّشغيل. في الأرياف بدأ جفاف تاريخي يضرب الزراعة والتّنمية. ومع تصاعد “الرّبيع العربي” بدأت حركة ثورية تصاعدية في العواصم. أحرق ثلاثة شبان نفسهم.

وانتحر ضائعون في المدن والأرياف؛ ونزل الشباب والعمال للشارِع. عندها أطلَقَ النِّظام مشروعَ حوار حول إصلاح وثائِقي للديمقراطية (تصحيح الحالة المدنية ومُقاومة التِّرحال السياسي). لم تجد المعارضة التي وُصفت بالراديكالية في هذه الإصلاحات الوثائقية كبير الشأن. رفضَ النِّظام تنازلات أوسع. ومع نهاية 2011 أجريّ حوار صوري في قصر المؤتمرات. كان بيجل ولد هميد سعيداً بهذا الحوار وقد اعتبره ورقة تشمبرلين. في غضون هذه الأثناء تخافتَ ألق الربيع العربي وفشلت المعارضة في إزعاج النِّظام. بعد منتصف 2012 بدأ النِّظام يرفض الحوار وفضّل مكانه استخدام ورقة الشِّقاق العرقي لتفتيت المُعارضة.

14-3-

عنّت سانحة أخرى. في أواخر 2012 أصيب الجنرال عزيز بطلقٍ ناري مشبوه. قدّمَ قصة غير مُقنعة؛ وهرعَ إلى باريس للتداوي. وتصادف هذا مع انتهاء الصلاحية القانونيّة للمؤسسات الدستورية. وسرعان ما بدأت المعارضة والإشاعة والعسكر في ملء الفراغ. واختفى الحزب الحاكم. ونتيجة التخوف من المعارضة فتح الوزير الأول مشروع حوار مع المُعارضة. كان الغرض تهدئة المعارضة لحين عودة الجنرال للسلطة. عاد الجنرال في استقبال تعاطفي كبير. وكان أوّل قراراتِه إلغاء مشروع حوار ولد الأغظف.

14-4-

مع أواخر2013 كان النِّظامُ يحتاجُ تشريع انتخابات بدا أنّه لا يملك ضماناتها الفنيّة. لم يراقِبها، وبالتالي بدا أنه لن يعترف بها، أحد. عندها فتح النِّظامُ حواراً مع المعارضة لدخول الانتخابات. لم يجد مفاوضو أحزاب المعارضة التّاريخيّة ضمانات مقنِعة لسلامة الانتخابات.

قاطع حزبان وشارك إثنان، رغم اعترافِهما، وبشكلٍ أقّل امتعاضِهِما من، تزوير للانتخابات. لم يجد حتّى القاسم ولد بلالي ضمانات ضدّ التّزوير. حتى حزب الصّواب شكى. ولكن مشاركة هؤلاء أنقذت النِّظام مؤقتاً، خصوصاً أن المانح الأوروبي لم يجد، خلافاً لقيّمه، مشكلة في انتخابات دامت ثلاثة أشهر (أحياناً بثلاثة أشواط). فقط عندما بدأت صفقة الانتخابات تفشل في ضمان وترقيّة النظام السياسي اضطر النِّظامُ لفتح نافذة حوارٍ جديدة.

14-5-

منذ 2008 تغيّرت اللغة السِّياسية في هذا البلد. وفقدت السياسة معناها. ونكث الفاعل السياسي بكلِّ عهوده، الخيِّرة والشِّريرة. ولم يعد هنالك معنى لحوارٍ سري أو علني. غُدِرَ باتفاق دكار مباشرة. وغُدرَ بالعقد السِّياسي مع الأغلبية في 2010. وغُدِرَ باتفاقية المُعاهدة في ديسمبر 2011 فقد وُقِّعَ معها عقد سياسي وطني؛ ثم فجأة أراد النِّظام استبدال ذلك العقد بعقد جديد مع معارضة بديلة. غُدِرَ بـ”انتخابات” 2013-2014 ببرلمانها وببلدياتها وعُرِّضت للبيع في وثيقة الوزير الأول في مطلع 2015. كلُّ شيء عرضة للبيع. وكلّ شيء على الطاولة.

15-

لا تتضِّحُ لنا كواليس حوار 2015. ولكن لا يمكن استبعاد أنّه يدخل في سياسة النِّظام. ربما يهدف لكسب شرعية للنظام بعد سقوط شرعية “رئاسة الاتحاد الإفريقي”. ربما يريد توحيد الجبهة. ربما هو تأنيب ضمير. ربما يبني كثيباً ضدّ شرعية العسكر. ربما يتعلّق بترتيبات توريث أو تمديد السُّلطة. ربما هو عبثية. لا نعرف.

16-

إن تاريخ النِّظام الموريتاني يقف ضده ويجرفه لقاع عدم الثِّقة. ورغم أن سلامة الديمقراطية التمثيلية تعتمد على مبدأ الحوار، إلاّ أن المعارضة غير قادرة بحكم تاريخها مع النِّظام على إهدائه طرد الثقة، الضروري للحوار. ليس صدفة أن حزب “التّكتل”، الذي خُدِعَ في 2009 هو الآن زعيم التّشدُّد ضد الثقة العمياء في نظام بلا عهد. لا يمكن تجاهل قلقه ومخاوفه. إن المعارضة، وهي على عتبة الحوار، يجب أن تضع جهدها على تأمين شروطِها وتحكيم الحِوار. المخيف هو أنّه لا توجد مؤسسات قادرة على التّعالي على إكراهات السُّلطة. إن درسَ اتفاق دكار يُحذِّرُ المعارضة من قبول الاتفاقات المثالية بدون تأمينِها بضمانات تنفيذية. إلى حدِّ الآن قامت المعارضة بحوار داخلي وحاولت توسيع الحوار بإدخال القوى الراديكالية. ولكن تبقى للتكتل قضيته. القضيّة قضية ضمانات الحوار أكثر مما هي قضية الحوار.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى