فضاء حر

انحطاط الخطاب السياسي/ الشيخان المجتبى

لم تكن زيارة الرئيسِ لأحدى ولاياتِ البلدِ بالحدثِ التاريخيِّ الكبير الذي يستحقِ كلّ هذا التبجيلِ والحشوعِ و التبتلِ في محرابِِ القائدِ المنقذِ و المحرر الملهمِ للدولةِ الحديثة . .


فالمتتبع لما جاءَ في الخطابِ المتواضعِ حدّ السخريةِ –هنا أعتذر للخطباءِ و الأدباءِ و ملُاّكِ الكلمةِ و الحرفِ و سرِّ الاقناعِ ، حينَ وصفتُ كلمةِ الريئس في النعمة و أدرجتها تحتِ اسمِ خطابِِ فلطالما كنا ننكسِ رؤوسنا و تقشعرُ جلدونا عنما يقف الرئيسُ خاطبًأ باسمنا وممثلاً لنا في المحافلِ الدوليةِ لفرطِ ما نسمعه من جلدِِ و تعذيبِ للغةِ لطالما كانَ يَعتبرُ العالم أنها تسكننا و أننا مُلمينَ بها و آخذينَ بنواصيها و أقدامها  — لا يكادُ يجد جملة مفيدةً مركبةً تركيباً صحيحًا سليمًا ، و هب أننا تجاوزنا هذه النقطة الرئيسية الي ما يفهمُ من فحوى الكلام ، فما قاله الرئيسُ كانَ إلي حدِِ ما واضحًا و لا يعسرُ على العاميّ فهمهُ ولم يتضمنْ لا غمزات و لا همزاةِِ عنصرية أو عرقيةِِ كما يدعي المنتدى و يروجُ لذلكَ فقد كانَ الكلامُ موجهًأ للجميعِ . وهو أيضًأ حقيقة قائمةٌ في مختلفِ طبقاتِ مجتمعنا لا نستطيعُ مهما بلغَ بنا النكرانُ أن ننكرهاَ أو نتعامى عنها.

و قد كان منتدى المعارضة سوقياً تماماً في طرحه و تحليله و رده على ما تضمنه خطاب متهالكٌ للرئيس في النعمة .

فأن تلجأ نخبة و رؤساء أحزابِِ و سياسيون -كنا نظنهم محنكونَ و انهم على درايةِِ و اسعةِِ بالمصلحةِ العامة للدولةِ إلي مثلِ هذا الطرحِ و التحليلِ المُشينِ لخطابِ لا يقلُّ رداءةً و لا سوقيةً عن تحليلهم له ، فهذا إن دلّ على شيى فإنما يدلّ على هشاشة المعارضة و قصرِ ناظرها و عدمِ جدوائية سياساتها التى تنتهجُِ لمقارعةِ النظامِِ و تصويبِ أخطائهِ . فمعارضة كهذه لا يعولُّ عليها كثيرًا لا في إصلاحِ الشأنِ العامِ و لافي تقدمِ البلدِ .

ولكن هذا الخطاب مهما بلغَ من قلةِ الأهمية فإنه لا يصلُّ إلي حدِ أفكارهم البِدائية و تحليلاتهم السيئة التى تثيرُ الشغبَ و ترسخُ النعراِتِِ الطائفية و العنصرية و تمسُّ من و حدة البلد ، فلاشكَ أن الخطابَ سمعناهُ جميعًا و يستطيعُ من لم يستوعبه أن يعيده و يتفحّصه جيدا ليتأكد أنه خالِِ تماًما من أن أي نزواتِِ عنصرية أياً كانت طبيعتها فالرئيس في خطابه لم يكن يخاطبُ شريحةً معينةً بل كان يوجه الخِطابَ لجميعِ أفراَد الشعبِ الموريتاني بكل مكوناته العرقيةِ . ومن غيرِ الانصافِ أن تحملَ المعارضةُ الكلامَ على غيرَ ما أريدَ بهِ و أن تشرحه و تِؤوِّله على هواها و حسبَ ما تقتضيه مصلحتها فهذا أمرٌ مذمومُ و مردودٌ عليها فنحن و إن كنا نعارضُ لا نعارضُ ب التلفيقِ و الدعاية و الإفتراءِ على الطرفِ الآخرِ و نغري بذلكَ أتباعنا و مناصريناَ و نحشدهم لنقنعهم و نُشنفّ اسماعهم بشيئ لا أساسَ له من الصحة ، و لم يصدر عن الدولةِ أصلاً ولا يمكن ليصدرُ عنها . و لم يعد من الممكن أن نخدع الشعبَ فالشعارتُ البرّاقة و الخطابات الرنانة ملَـلـْناها و لم نعد نثق فيها . فلا يكفي أن تكونَ خطيباً ماهرًا لتكونَ قائدأً أو زعيماً سياسياً قادرا على التغييرِ .

و لا يجوزُ أن نستغل اندفاعَ الآخرينَ و حساسيتهم اتجاهَ قضاياهم التى من خقهم أن يذوذوا و ينافحوا عنها، من أجل تحقيق مآربنا الشخصيةِ ومآربِ أحزابنا . كما أنه يجبُ دائماً على معارضتنا وجكومتنا أن تغلبَ المصلحةَ العامة للشعب و الدولة على المصالح الشخصية و لا يجبُ أن تجرنا عنفوانُ مصالحنا الجزئية إلي أن ننشرَ سياسات التفرقة و الطائفية بين المواطنينَ ، فأحوجُ ما نكون إليه في هذه المرحلةِ هو أن نتكاتفَ و نتلاحمَ و نتّحدَ كشعبِِ واحدِِ موّحدِِ متعاضدِِ و متجانسِِ لا مجالِ للتفرقة و لا للخلافِ فيما بينا .


كما أن المعارضة عودتنا دائماً على أن لا نرى إلا الجزء الفارغَ من الكوب ، فلم نسمعها ولو للحظةِِ تذكرُ النظامَ و لو بشطرِ كلمةِِ تكونُ من بابِ الانصافِ له فقط . فهو على سوئه يظلُّ أفضلَ و أحسن من جميعِ الأنظمة و الحكوماتِ العسكرية التي تعاقبت على البلادِ و عاثتْ فيها فسادًا . و التى لا نتمنى أن يتواصلَ حكمها إلى أبعدَ من هذه الحكومة الحالية ، فرئيسُ مدنيُّ منتخبٌ من طرفِ إرادة الشعبِ يظلُّ أفضلِ من عسكريِِّ لا يهتدى إلا بما تكشِفه له نجومه أو تُمليه عليه بدلته .


كما أنّ تلميحاتِ الرئيسِ إلي إمكانية المساسِ بالدستور الموريتاني و تغييره فهي مردودةٌ تمامأُ عليهِ و لم يكن من داعِِِ لأن يؤكدَ لنا أنه لن يقف عقبة في وجه الديمقراطية في البلد لأنه ليس بإمكانه ذلكَ ، و لا يستطيعُ أيّ أحد كائناً ما كانَ أن يحول دونَ إرادةِ الشعبِ فهو صاحبُ السيادة الوحيدِ الذي بإمكانه تغييرُ أو تبديلُ قوانينه، التى سنها هو بنفسه عن قناعةِ و إرادة تامة منه ، متى أرادَ ذلكَ .


فحلّ مجلسِ الشيوخِ يقتضى إجراء تغيير في الدستور و مواده و هذا يفتحُ البابَ و لا يسده في وجه تعديلاتِ أخرى فيهِ ولا نأمنُ أن يطال الــتغيير أيضاً المادة 28 و التى تتحدث عن عدد الولايات المسموحِ بها للرئيس الواحد مما يضمنُ إمكانية الترشحِ لولايةِِ ثالثةِِ و بهذا يتحققُ الغرضُ الأسمى من وراءِ العداوةِ و البغضاءِ الطارئةِ لمجلسِ الشيوخِ و الغايةِ الكامنة في حلّه .


و هبَ جدلاَ انه تمّ حلّهُ و تفكيكُ أعضائه فإنه سيعوض بمجالسَ جهويةِِ في كلّ و لايةِِ و هذا هو الخطرُ الاكبر الذي يتهدد الدولة و سيضعفُ بنيتها إن تمّ . فمجالس كهذه تعزز القبلية و الطائفيةِ و تُحْيِي ماكانَ قد اندثرَ منها و يتهافتُ الجميع الي تحقيق مصالحه الشخصية و تعزيزِ مكانته و نفوذه على حساب الاخر متغافلاً عن المصلحة العامةِ للشعب و الدولةِ و وجوبِ تغليبها على المصلحة الجزئيةِ .و بهذا يتـِمّ تفكيك الدولة و تقويضُ سلطتها. لذلك فإن خطوةً جريئة كهذه لابدّ لها من حوار و نقاشِِ على مدى واسعِِ حتى تدرسَ بتمعنِِ و تحدّدَ جميعُ أبعادها السلبية و الاجابيةِ منها ، و من خلالها يتم اتخاذُ القرارِِ حتى لا يكونَ قرارًا ارتجاليًا فقط لا تُعرفِ عاقبته :.

وعلى ذكرِ الحوارِ – و الشيئ بالشيء يذكرُ – ا فإنّه من واجبِ المتحاورينَ : الحكومة و المعارضةُ التي ظلتْ تلهثُ تحتَ الدولةِ من أجلِ تحقيقِ حوارِ وطنيُّ أظنه لن يكونَ مُثمرًا إذا لم تدخله بجميعِ أطيافها و أحزابها ، أن تكشفَ للشعب الموريتانيّ عن جميعِ نقاطِ الحوار و عن القناعاتِ و الأفكارِ التي يدافعُ عنها كلّ منهما و يحاور من أجل تحقيقها : هل هي فعلاً تَصبُّ في مصلحة الشعبِ أم هي فقط من أجلِ تحقيقِ المآربِ الشخصية للأحزابِ و لرؤساء الأحزابِ . حتى يكونَ الشعبُ على بصيرةِِ تامةِِ مما يحدثُ ، فدائمًا ما تُستبدلُ اثناء المشاوراتِ أو الحوارات العمومية المصلحةُ العامة للشعبِ بالمصلحة الجزئية و الإرداة العامةِ بالإرادة الشخصيةِ . وهذا ما لا يمكنُ للشعبِ أن يقبله لا من المعارضةِ و لا من رؤساء الأجزابِ و لا حتى من الرئيسِ نفسه .

وعلى جميعِ مكونات الشعب الموريتاني أن تتحدَ و تتعاضد و تنبذ الخلافاتِ و النزواتِ العنصرية و الطائفيةِ و القبلية من أجل النهوضِ بالبلد و بناء موريتانيا دولةً : حرةً ديمقراطيةً موحدةً . و إنّ الأممَ عندما تثور و تخرجُ الي الشاعرِ لا تخرجُ تلبيةً لنداء رؤساء الاحزاب ولا تحقيقًأ لرغباتهم و إنما تخرجُ الي الشوارع و الساحاتِ و تملؤها بالمظاهراتِ و الإعتصاماتِ و الإضرابات من أجل و الحفاظِ على ثرواتها و مكتسباتها و تحقيق مطالبها هيّ وحقها في العيش الكريمِ و التقدم و الإزدهار كسائرِ الشعوبِ .

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى