نوحيات

جاسوس على الغيب../ الشيخ نوح

يكتهل الوجود فيعيدون شباب بشرته وقلبه من شرايين كلماتهم، يسيرون على جسر محفوف بالألغام والخيبات؛ ويعيدون ترتيب فوضى العالم دون أن يدرك العالم ذلك؛  لأنهم يعملون خلف غيوم مكثفة من الضوء و من الانزياح؛  لكنها غيوم لا تتوقف عن المطر كلما خضب العطش شفاه الإنسانية..

يعملون بدون مرتبات شهرية، لذا فالقطاع البنكي لا يعرف أسماءهم ولا ألقابهم، ولا عناوين كتبهم الجديدة أو القديمة رغم أنهم يكتبون بأعصابهم وهم ينزفون على حد الخازوق.

ورثة لكنوز المجاز الذي جاء لترتيق شيخوخة اللغة التي أنهكها التداول وفقدت ألوانها البراقة لطول ما غسلتها الألسن على امتداد شريط زمني موغل في القدم والتكرار.

لا تخضر غابات التخييل إلا في حضورهم، ولفرط ما أشعلت الخيالات النار في أثوابهم صاروا يسيرون بين الناس عرايا تماما، لا أسرار لهم؛ وكل شغفهم،؛ وكل حروبهم وأحقادهم معلنة لأنها تشكل المادة التي يصوغون منها ما يخلقون،  فالشاعر الحقيقي لا يمكن أن تكون روحه إلا بحيرة شفافة لا لون لمائها؛ يسافر فيها بجع الكلمات والأفكار على مرأى من المسدس والقتلة.!

يفتحون كل النوافذ على احتمالات- لا حصر لها- من الدهشة حين تهب ريح تأويلية واعية على خمائل نصوصهم، إنهم يقومون بمهمة صعبة؛ تتلخص في تحليم العالم؛ وتثويره على نفسه ليتجاوز مخاوفه كل مرة ويدرك أن التخوم التي تلوح له ليست نهاية المطاف.

إنهم قبضة من النور، مذرذرون في جغرافيا المكان والزمان، مكتظون بالله والإنسان والوجع،  حزنهم مطابق لغربة الأناناس بعد أن تأبطوا غربتهم في أرصفة منافي الذات بداخلهم؛  فصاروا على مسافة من العالم تسمح لهم برؤيته بشكل أفضل؛ وأكثر إبداعية؛ وأكثر إتاحة للرصد والخلق والقلق والنبوءات.. هم مخلوقات مجبولة من العزلة بعد أن تيقنوا أن “العزلة خيار المترف بالممكنات”!

جماجمهم سلال لأسئلة وجودية، وأرواحهم بحيرة من المسكوت عنه مسكونة بالتدفق، كما الماء مسكون بالخرير، وأجنحتهم من توسع الفضاء وليس الفضاء من يملي عليهم الحدود مما جعلهم يخرجون على القاعدة والنماذج ويفضلون التناص مع الخبز والمروق والحرية؛ ليصبح الشعر – وبلا هوادة ولا تأويل- شذوذا أنيقا متعاليا على كل الأطر والخنادق.

لا علاقة للشعر بالشياطين أو الملائكة؛ فالشاعر هو الشيطان الحقيقي أوالملاك الحقيقي،  وأسطورة وادي عبقر هي من ابتكاراته هو، إن الوادي الحقيقي لا يمكن أن يعثر عليه إلا شاعر حقيقي وهو وادي الأشياء التي لم تخلق بعد؛  والأفكار التي لم  ما زالت أجنة في رحم الغيب، والطرق غير المنكوحة،  لكن كل ذلك يكون بالتوسل بالكلمات التي تولد من جديد من خلال ابتكار الشاعر لعلاقات جديدة بينها، إن الله بهذا المعنى يخلق العالم والشاعر يعيد تركيبه من جديد ويتكهن بمستقبله،  فالشعر قبل كل شيء هو اقتباس من النار المقدسة؛ فالشاعر جاسوس على الغيب أو لا يكون.

الشعر لغة داخل اللغة، بمعنى أنه خروج على القوانين وانحراف عن المألوف والمتواضع عليه؛  وتكسير للتماثيل النمطية على رؤوس أصحابها، إنه إبرة تبقر بالون الصمت وتخيطه في ذات الآن،  والتشابه بين الإبرة والشعر كبير جدا فكلاهما مثقوب وحاد؛  وكلامها مسكون بشهوة الوخز والثقب ثم الترتيق، وهو ما  يجعلنا نغامر بالقول إن الشعر ليس سوى ترميم العالم بالكلمات..!

الاكثر قراءة

لأعلى