مقالات

جريمة الكرم والإحسان/ أحمد ولد الشيخ

بعد قضاء بضعة أيام في التجول بين باريس وأستانا في كازاخستان وباماكو (أوروبا وآسيا وإفريقيا، أي جولة في العالم تقريبا خلال أقل من أسبوع)، لم يعد ولد عبد العزيز إلى نواكشوط إلا لمدة ارتداء بدلة جديدة ليتوجه إلى أمريكا ونيويورك على وجه التحديد حيث تعقد الأمم المتحدة جمعيتها العامة السنوية.  لقد ولى زمن كان الرجل الذي يدعي فيه بأنه رئيس الفقراء يتهم سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله بكل الشرور التي كان أبرزها، على حد قوله، تعدد الأسفار على نفقة الدولة. ومع ذلك، فإن هذا الأخير لم يسافر قط إلى أربع قارات خلال أسبوع واحد من أجل نتيجة مشكوك فيها تماما: طاولة مستديرة حول تشاد، مؤتمر حول العلوم والتكنولوجيا، مباحثات مع إبراهيما بوبكر كيتا وخطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.  ليس في الأمر أي شيء مستعجل بالفعل ولا مفيد حقا بالنسبة لبلاد أولى لها أن تخصص مواردها الشحيحة للخدمات الأساسية، بدلا من تمويل رحلات رئيس يفر من واقع سيلحق به في نهاية المطاف عاجلا أو آجلا.  دعونا نرى: خلال تسع سنوات من الحكم الفردي المطلق ما ذا أنجزه قائدنا المستنير في مجالات التعليم والصحة والعدالة وتقاسم الموارد والشغل ومحاربة الفساد وتنمية الصناعة وتقويم الاقتصاد؟ ما ذا فعل بالمليارات التي جنتها البلاد عندما كانت أسعار المواد الخام في أوج ارتفاعها وبتلك التي سنخلفها ديونا لأجيالنا المقبلة ؟  ترى هل تستحق مدرسة هنا ومستوصف هناك وطريق يربط بين حفرتين بعيدتين مثل هذه الضجة؟ يتطلب بناء دولة أكثر من ذلك بكثير ولن تستطيع بضع قضايا مفبركة من قبل مصالح استخبارات مظلمة إخفاء هذا الواقع المر.

فبعد قضايا الخطوط الجوية الموريتانية والأرز الفاسد وأموال البنك المركزي الموريتاني وبيرام وحرقه للكتب، تبنى هذا النظام، بالفعل، عادة مؤسفة. فكلما أصبح الوضع لا يمكن الدفاع عنه، يضحي بشخص أمام الرأي العام ليصرف انتباهه ويذر الرماد في عينيه لكي ينسى وضعية تزداد صعوبتها يوم بعد يوم. وليست الوجبة التي تقدم لنا في الأسابيع القليلة الماضية استثناء من القاعدة، حيث أحيل أعضاء في مجلس الشيوخ ونقابيين وصحفيين إلى القضاء لمجرد أنهم تجرؤوا على قول لا. لقد صودرت جوازات سفرهم وحظرت عليهم مغادرة نواكشوط، لجريمة تتمثل فقط في كونهم استفادوا من هبات رجل كريم ومحسن. ولكن يبدو أنهم ليسوا الوحيدين. وحسب المعلومات التي نشرتها الصحافة، مدعمة بالأدلة، فإن مسؤولين سامين لا يزالون في وظائفهم قد تلقوا أيضا أموالا من ولد بوعماتو.  ورغم ذلك، فلم يتم إزعاجهم. إن لموريتانيا الجديدة ذاكرة انتقائية والذين لا يأتمرون بأمرها وينتهون بنهيها ستوجه إليهم سهام الاتهام، ولو تطلب ذلك اكتشاف جريمة جديدة: جريمة الكرم والإحسان.

 

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى