بالهمس

حوار نواكشوط/ أبو العباس ابرهام

“في هذه الأرض يجب أن تكون انتهازياً” (كوبولاني، موريتانيا، 1902)

مع منتصف كانون الثّاني بدأت الإشاعة تأخذُ منعطفاً جدياً. وسرعان ما تهامست بها الأفواه في كلِّ مكان كما لو أنّها خبر وفاة السُّلطان. ثمّ فاحت الرائحة في الفضاء الاجتماعي. ثمّ طار بها الحمام في كلِّ مكان. وارتفع صوت الأنبائيين في بلاطات النبلاء: البارون الكبير يريد الصّلح. في الصّباح جاءت تفاصيل: الصِّنديد مستعدٌ للتراضي، بل- وتمضي الإشاعة- إنّه مستعدٌ للقمار بعرشه. بعد يوم كان أرخميدس يجري في الساحة العامة يحمل رزمة من الوثائق: وجدتها. إنّه مستعِدٌ لكُلِّ شيء.

في الأسواق كانت هنالك ترانيم أخرى: هلْ جُنّ؟ أم رشُد؟ هل اعتلّ؟ هل هو مقبل على خدعة أخرى؟ أم أنه يتلاعب، مرةً أخرى، بالفئران؟ ليس للكثيرين ترف الأحجيات.  كان الانتهازيون والقلاّسون وضربةُ الدّف قد حزموا أمرهم في وقت مبكر. رموا أقنعة الصُّقور واتخّذوا ريش الحمام. وبدأوا في عزف ترنيمة “سلام الشُّجعان”. أما الذين عضّهم الثُّعبان سابقاً فقد حذّروا: هذه متاهة جديدة أعدّها ديدلوس، خبير صِناعة المتاهات؛ وهوّ وحده يمكنه الخروج منها. أما من دخلها معه فسيموت فيها. أما دُهاة القساوسة الذين أخذوا أجورَهم من الوضع القديم فقد اندفعوا في شعار الواعظين يدفعون ضدّ “الخدعة الوشيكة”، ليس من منظور مبدأي طبعاً، بل من منظور الحفاظ على المكاسب.

2-

كيف يمكن أن نفهم حوار نواكشوط؟ هل هو جدي؟ داعيّة المُعارضة وأستاذ الطّبخات السيّاسية لا يرى فيه غير “منشور سرِّي”. إنّه يبدو أقرب إلى حروب الوثائق في الثمانينيات، التي تهدِفُ إلى تفكيك الخلايا السِّريّة، منه إلى مشروع جلوس على الطّاولة. على الأقل هو لا يبدو في بداياته كحوار الكِبار. حزب التّكتل ألقى بالمنديل وخرج من الحلبة محذِّراً من المكر. هنالك أشياء مشبوهة: الحكومة التي لقّنَها ولد محم أنشودة “لا يمكن الحوار بدون شروط لأن الشروط يجب أن تكون نتائج الحوار” (هل نتذكّرُ تلك الأغنيّة البائسة؟) قدّمت الآن “نتائج الحوار” باعتبارِها “شروطاً” و”ضمانات”، ورمت بورقة الانتخابات المُبكِّرة والتسيير المُشترك والتّوقف عن الإقصاء. وكلُّ هذا بدون أن تنتطح شاتان أو تُطلقَ رصاصة واحدة! أصبحَ الذين كانوا يدعون إلى احترام حركة السوق يُغرِقون الآن السُّوق بالعملات، كما لو أنّهم رُكابٌ مُهدّدون بالغرق. ولكن هذه ليست كلّ عدم جدِيّة الحوار. يكمنُ عدم جِديّته في التالي: أُعلنَ عنه في نفس الأيام التِّي زاد فيها القمع ضدّ الحراطين والصّحافة والفنّانين وأُضعِفَ فيها تمثيل الأقليّات في الحكومة وزاد نهبُ المؤسسات الماليّة وزاد نفوذ العصابات الصّديقة للنظام ودُجِّنَ النِّظام العدلي مرةً أخرى.

3-

على أنه سيكون من الكِلبيّة صرف كلِّ شيء بحجة عدم الجِديّة. فقد ينبعُ “عدم الجدِّية” من عدم الكفاءة وعدم المِهنيّة وليس فقط من سوء النِّية. وفي المقابل تبدو هنالك متغيّرات في تصرفات النِّظام لا يُمكن إلاّ الانتباه لها. وربما هي تحوّلاتٌ جديّة: 1-زادت رغبة الحكومة في إدماج القوى الثالثة، وخصوصاً من التكنوقراط والحركة الشبابيّة التي نأت بنفسِها عن المُعارضة والحكومة (قبل أن تقبل التعاون مع الأخيرة). 2-في نفس الوقت الذي لم تعد فيه الحكومة على خوف من المُعارضة إلاّ أنّها على عتبة أزمة اجتماعية شبيهة بحالة 2012، التي انعكست فيها الأزمة المعيشية المزدوجة (أزمة مصادر وجفاف في الأرياف وأزمة بطالة وضياع نفسي في العواصم: جرائم وانتحارات وتفكك اجتماعي وتمايز عرقي) وقوّت المُعارضة وحوّلتها إلى حركة ثوريّة. 3- ومن ناحيّة فشل مشروع النقد الدّولي في إدارة الاقتصاد الموريتاني بإجراءات “التسهيل الكمي” وأولوية القضاء على العجز ومنع الإنفاق الاجتماعي ورفع الدعم إلا من خلال برامج وقتية، لا تساوي شيئاً من العائدات الضريبية، أو من خلال “القروض الضريبية”. ومن الواضح أنّه مع 2014 بدأ النِّظام المصرفي، الذي يُمركزُ النّقد الدّولي جهد الحكومة عليه، باعتبارِها حكومة “نزع التّنظيم”، يتضعضع. 4- وفي نفس الوقت لم تأتِ وعود تحسن الاقتصاد بسبب انسحاب الحكومة بكبير الفائدة. ورغم أن قطاع التجزئة والبناء، وحتى الضرائب، شهد تحسناً ظاهِرياً، إلاّ أن هذا لم ينعكس على التشغيل، حيث أعلنت منظمة الشغل الدّولية أن موريتانيا أكثر بلد بطالة في العالم (نسبة 30,9%). كما أن مديونة الحكومة ارتفعت إلى أربعة مليارات دولار. وفي نفس الوقت انفجرت أزمة نهب في الخزينة العامة هي الأقوى منذ التسعينيات.

5-

 ويتزامن هذا مع فشل العقد السياسي الذي دخلت فيه الحكومة مع جزء من المعارضة في 2013-2014. فقد فشلت هذه الصّفقة السياسية في إخراج برلمان محترم من الطّبقة التي تحترفُ السِّياسة، التي تمّ استبدالُها بكَسَبة وحَسبة لا خِبرة لهم في معالجة السياسة ونشأت حالة “تضخم سياسي”. ومعَ المُداولات البرلمانية في 2014-2015 بدا واضحاً أن البرلمان غير قادرٍ حتّى على الوظيفة الصوريّة التي انتُخِبَ له. وينطبقُ هذا ليس فقط على ممثلي الحُكومة، بل على ممثلي المُعارضة، التي اتخذّت مقاربة عجيبة تقضي بإنهاء المشاوير البرلمانيّة لبرلمانييها واستبدالهم بالمبتدئين. وهكذا لأول مرة في تاريخ البرلمان بدا برلمانيو المُعارضة أضعف تكوينياً وخطابياً من برلمانيي الموالاة، مع تهافتُ الجميع (غالباً).

6-

 ولعلّ رمزية فشل النِّظام السِّياسي الجديد تكمنُ في مؤسّسَة معارضته الطرطيفيّة. فبعضِّ النّظر عن ضعف القيمة الرّمزية لزعامة المُعارضة في النظام الجديد، علاوة أنّها لا تمثل إلاّ نفسها، فإن النظام السِّياسي الجديد لم يخرج من الصفقة الجديدة بشراكة سياسية؛ فالأحزاب المُعارضة فيه لا تعترفُ بانتخاباته الرِّئاسية وتُقاطِعُها، رغم اعترافها واستفادتها من بلدياته وتشريعاته، بل وحتّى حضورها لتدشين رئيسه والتنسيق معه في الإطار البروتوكولي الذي يجعلُ منها “مؤسسة معارضة”. باختصار: إضافة إلى عدم قدرة النظام السياسي الجديد على تجاوز الّنظام السياسي القديم (حيثُ ما زالت للمعارضة القيمة الشرعية الشعبية) فإنّه هلامي متناقض يعترفُ ولا يعترف بالحكومة. وهكذا فهو غير قادر على منحها شرعية تُحصِّنُها من الكوارث السياسيّة.

7-

و من المهم إثارة الأمن السياسي هنا. فمع يناير 2014 استفاد محمد ولد عبد العزيز من حصانة سياسية قدّمها له المنصب الشّاغر لرئاسة الاتحاد الإفريقي. وهكذا، على عتبة الخروج من انتخابات محليّة محدودية الشرعيّة حصّنَه المنصب الأممي. فلم يكن يمكن الانقلاب عليه لأن هذا الانقلاب كان سيكون انقلاباً ضدّ العالم. وسرعان ما تصرّف بكبر وصلف مع المُعارضة، التي تجاهلها ورفض أي حوار معها لأنّه لم يعد يحتاجه. غير أنّ رئاسة الاتحاد الإفريقي ليست طويلة المدة؛ ومع نهاية هذا الشهر سيُسلِّمُ ولد عبد العزيز رئاسة الاتحاد إلى رئيس جديد وسيعودُ إلى وضعيّتِه المكشوفة، لذا يحتاجُ شرعية سياسية بديلة، خصوصاً أنّه استغلّ فترة رئاسته للاتحاد الإفريقي لتقليم القوة التمثيلية لبعض رفاقه العسكريين.

8-

 يحتاج ولد عبد العزيز شرعية وطنيّة في وجه ملفات دولية لا يريد مجابهتها وحده ويخاف طابوراً خامساً. فمع 2015 أعلن السفير الأميركي، المثير للجدل، أنّه مبعوثُ أوباما لحلحلة مشكلة العبوديّة، المُتصاعِدِ ذكرُها في الإعلام الغربي، والتي اعتقد النِّظامُ الموريتاني بسطحية أنّه أنهى ذمة الضغوط عليه بتشكيل وكالة وطنيّة لمكافحتها. وتتلقّى رئاسة الجمهوريّة يومياً برقيات “القلق” الدولي من اضطهاد الحركة الانعتاقيّة وبرقيات الحث على اتخاذ تدابير للقضاء على العبوديّة. ومن ناحيّة أخرى أظهر مؤتمر الجنرال عزيز في ديسمبر 2014 أن النِّظام غير راضٍ عن مكافآت أوروبا للجيش الموريتاني. وقال بلغته غير الديبلوماسيّة المألوفة أن أوروبا لم تفِ بتعهُّداتِها الماليّة رغم أن الجيش الموريتاني يُحاربُ الإرهاب أكثر من دول في المنطقة تحصل من أوروبا على الأكثر، حسب قوله. ولا يتعلّقُ الأمر فقط بخلاف مالي، فتحرّكات الجيش مكلفة، وخصوصاً إذا لم تكن مدفوعة الثّمن. وعودة الجيش إلى الثّكنات خطيرٌ سياسياً في البلد صاحب الانقلابات الأكثر في العالم العربي.

4-

إذاً في ظل أزمة معيشية وأمنية وسياسية ترتفع حاجة النِّظام الموريتاني إلى حوار، بل وشراكة، مع المُعارضة. ولكن هناك أسباب أخرى لا تدعو للارتياح. ماذا لو كان الحوار الجديد هو محاولة توحيد الجبهة ضدّ الحركة الراديكاليّة الحرطانيّة؟ فمع الأشهر الأخيرة بدأت الحركة الراديكاليّة التي خرجت واثقة من رئاسيات يوليو 2014، تطرحُ مشاكل سياسية للنظام. أظهرت الانتخابات تغلغُلها في الجيش. وازدادت قدرتها على الاحتجاج والتحشيد. كما أنّ إقصاء الحراطين من انتخابات 2013-2014، التي انتُزعت منها فيها حتى تمثيليات الأمكنة الحرطانية بالأغلبيّة الساحقة، دفع بالطاقات السياسيّة الحرطانيّة خارج المجال السياسي المُدستر. كما أن “أزمة المحرقة” في 2013 لم تُضعِف الحركة الانعتاقيّة بل أعطتها وعياً بالعداوة العِرقيّة تجاهها. ولا يمكن للنِّظام إنهاء أزمتِها بالقمع، بل يحتاج موقفاً وطنياً لا يمكن توفيره دون المعارضة؛ ولا يمكن له توفير أي حوار مع المُعارضة دون إعادتها إلى القاطرة الدستورية التي أُخرجت منها بمؤامرة.

وربما يُريدُ النِّظام توحيدَ الصّفِّ ضدّ الراديكالية وضدّ المنعرج اليميني والأصولي في السياسة الموريتانيّة. وبطبيعة الحال فإن هذا يحتاج موقفاً موّحداً وديمقراطية تصالحية، لا طيفيّة احترابيّة لم تستطِع صفقة 2013-2014 تجاوزَها. ولكن هذا يصطدمُ بمسألتين: لا بدّ من شراكة سياسيّة مع حزب “تواصل” و”الحركة الانعتاقيّة”. وهذه الجماعات بدورِها ليست بالضرورة باحثة عن الدخول في نظام بديلٍ للنظام الانتخابي الذي شاركت فيه. بل وتُهدِّدُ الانتخابات انتخابات رئاسيّة أو تشريعية مكاسِبها الأخيرة. وعلاوة على هذا فإن المُنعرج اليميني والأصولي هو صنيعة النِّظام لأغراضه السِّياسة الظرفية، التي سرعان ما خلقت فرانكنشتاين غير قابل للسيطرة.

6-

وماذا لو كانت للنِّظام أغراضُه الخّاصة؟ لقد لاكت الألسن كثيراً فكرة سعي النظام للتمديد بتغيير دستوري يسمحُ له برئاسة مدى الحياة. ويبدو أن النظّام اضطر إلى تفنيد هذه المزاعم في وثيقة منشورة. غير أنّ هذا العزوف عن تبديل الدستور لا ينفي تُهمة التّطويل. فإذا قرّر الحوار الوطني خوض انتخابات رئاسيّة مبكرة، وهذا لن يحدث قبل انتخابات تشريعيّة وبرلمانية (اللهم إلاّ إذا عُدنا لسيناريو 1992) فإن الانتخابات “المبكِّرة” لن تُجرى قبل 2017 في أحسن الأحوال مما يعني أن “الرئيس” يُطوِّل من خلالها بالفعل فترته الرئاسية، هذا عدا إمكانيّته دوما استخدام ورقة التزوير لتلفيق رغبة شعبية في بقائه في الحكم في دورات أخرى (ألم يصل للحكم بانقلاب عسكري بحجة حرب أهليّة وشيكة؟).

ربما يُريد النظام اعترافاً شرعياً وتطويلاً لفترته الرِّئاسية (ما لم يقبل بطريقة أو بأخرى خصم مُدتِّه الرئاسية اللاشرعية من مدتِّه الرئاسية الشرعية، إن قامت) مقابل تقاسم الخريطة السياسيّة مع المعارضة.

7-

هل المُعارضة مستعِدة لصفقة كهذه؟ ليس دوماً. طبعاً لا يُريد حزب تواصل تصحيح الوضعية السياسية لأنه يستفيدُ من إقصاء المعارضة ويستفيد من ازدواجيّة النظام السياسي، فهو عضو في معارضة “ثوريّة” وعضوٌ في نظام “دستوري”. وهو يدعو لإسقاطِ النِّظام كما يتشارك معه التزاور التشريفي باعتباره معارضتَه الدِّستوريّة. وهو يستفيد من الوِرد بين المائين. أمّا بقية الأحزاب السياسية التي تفضِّلُ الرئاسيات على البلديات والتشريعيات (يتعلّقُ هذا بحزب “التّكتل” وبنصف “اتحاد قوى التقّدم” ونصف “التّحالف الشعبي التّقدمي”) فإن الصّفقة ليست مُغرية كثيراً. على الأقل ليست مغرية للرؤوس الكبيرة. في المقابل تهتم المعارضة المؤسساتيّة بإتاحة فرص سياسيّة لها للنضوج في ظلِّ نظام ديمقراطي يستوفي أدنى الشُّروط. بالنِّسبة للمعارضة الثورية يُعتبر استسلام النِّظام للحوار انتصاراً لها وتأكيداً لسياسة المقعد الشّاغر والمنديل المرمي التي انتهجتها. قد يدفعُها هذا إلى رفض العودة من منتصف الطّريق والمضي في تأزيم الوضع حتى إسقاط النِّظام لا أحدّ يمكنه التكّهن بنجاعة هذه المقاربة. قد تنجح؛ قد لا تنجح.

8-

تبدو المُعارضة في موقف حرج. من ناحيّة: لا بدّ من تصحيح العقد السياسي ودسترة المعارضة في نظام سياسي مقبول. ومن ناحيّة تُخاطِرُ صفقة سياسيّة في هذا السيّاق المُتأزِّم بأنها قابلة للاستخدام ضدّ الحراك الشعبي السياسي، وحتّى النقابي، هذا عدا كارثة تشريع نظام ولد عبد العزيز. للوقاية: لا يمكن الحوار تحت النّار. وتحديداً لا يمكن الحوار وفي السّجون معتقلون سياسيين. ولا يكفي فقط إطلاق سراحِهم، بل ولا بدّ من جلبِهم إلى طاولة المفاوضات.


اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى