زاوية خاصة

فَلتات ولد عبد العزيز/ مريم بنت عينينه

الخطاب الذي ألقاه الرئيس محمد ولد عبد العزيز في النعمة ليس بدعاً في خطاباته السابقة، لا من حيث منهجيته في سرد الإنجازات “الوهمية” و نفخها، و تقديم إدارته للحكم كنموذج يحتذى في حسن إداءه و تسييره.. و لا من حين تكلفه “العفوية” في الإخطار برسائل سياسية، “بليغة” في معناها و إن كانت ركيكة في مبناها و قوالبها اللفظية.. و لهذا فقد ظهر خطاب النعمة ليكون مهرجانا سابقا لأوانه لحملة “استفتاء على الدستور”.

إذا كان لهذه الزيارة عنوان يختصر مغزاها فهو “التمديد لمأمورية أخرى”، و قد استطاع ولد عبد العزيز بدهاء، يتطاير شرراً، أن يحسن انتقاء الظرف المكاني و الزماني المناسب لامتطاء صهوة هذا القرار:

المكان:

لقد جاء اختيار مدينة النعمة، عاصمة ولاية الحوض الشرقي، ليؤكد أن ولد عبد العزيز يعتبر في الرسائل التي يريد* تمريرها،* الحجم الديموغرافي و الكثافة السكانية أولاً، لأنها ذات طبيعة انتخابية. و رغم المعاناة التي تعيشها الولاية من تردٍِ في الخدمات الصحية و التعليمية و المعيشية، و من انعدام للماء الشروب، فقد انجلت “انتخابوية” الخطاب في تركيزه على “السابق من الإنجازات” و الوعد بـ”اللاحق” منها، محاولا أن يوهم السكان بأنه يمنح “الحوض الشرقي” الأولوية المطلقة في “إنجازاته”.

الزمان:

لم يأت اختيار ولد عبد العزيز لزمان ظهوره العلني ليقطع دابر الشك في نيته تغيير الدستور اعتباطاً، فبعد المؤامرة التي حاكتها استخباراته لصرف أنظار جيوش العاطلين عن العمل إلى صحراء إينشيري، و انشغال الشباب و ذوي المظالم ببرق الذهب الخُلّب، كان الوقت مؤاتيا لمثل هذا الظهور المثير، غير أنه بدا من تحديد ولد عبد العزيز للدخول في حوار مع “من حضر” بأسابيع قليلة،* أنه يسابق الزمن لإبرام خطته للانقلاب على الدستور قبل أن تنقشع آمال الشباب المنقب عن الوهم في صحراء إينشيري.

عزيز و الديمقراطية

ظهر الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز في حُلة المنظر للديمقراطية، التي “يجب أن تحميها الدولة” (حتى و إن كانت نظاما عسكريا انقلب على أول رئيس مدني منتخب في تاريخ البلاد)

الديمقراطية التي يبشّر بها الرئيس “الجنرال” تصف معارضةً لم تحمل سلاحاً يوماً، و لم تمارس شغباً، و لم تدعُ لعنف، بأنها مجموعة من “أعداء الوطن” معتبراً أنهم ثلة من الفاسدين، “لا يمكنهم الوقوف أمامه الآن، لأن الشعب يعرفهم و يرفضهم”.. و ققد بالغ ولد عبد العزيز في الأوصاف و النعوت البذيئة التي ألصقها بمعارضيه، و كرّر تلك الأوصاف مراراً، بما يدل على أن “الديمقراطية العزيزية” لا مجال فيها للرأي المعارض. كما أعتبر أن المحظورات أو “المقدسات”، التي لا ينبغي أن يطالها نقد أو رأي هي: الأمن، وسمعة البلاد، و الاقتصاد. و هو ما يعني مصادرة كل رأي سياسي، حيث تكاد تنحصر الآراء السياسية في هذا الثالوث المحظور.

و قد حاول ولد عبد العزيز أن يحمّل المعارضة كل إخفاقاته، و أن يعيد إليها مسؤولية ما ترزح البلاد التي حكمها ثمان سنوات تحت وطأته.

كما كان لمفهوم “المواطنة” عند ولد عبد العزيز معنى آخر.. فالدولة يمكنها أن تقيل من تشاء من موظفيها دون حقوق، لأنها الدولة.. و ربما كان يشير في ذلك لمطالبة منتدى المعارضة في ممهداته بالتراجع عن فصل الصحفي ماموني ولد المختار.

الضرب في حديد بارد

تعسف ولد عبد العزيز كثيرا في تبريره لإخفاقاته الاقتصادية، و سوقه الحجج الواهية على حسن تسييره و تحقيقه رخاءً اقتصاديا “لا أثر له في الواقع المعيشي للسكان”، فساق أرقاما و إحصاءات كان يقرأها مسجلة في ورقة، و حين تُعجزه الحجة يصيح بالمواطين “هذا واضح.. الخزينة هاهي.. و البنك المركزي ها هو” و كأنه يكفي دليلا أن ترد المعلومات من بنك مركزي تعود تزوير الأرقام و له تاريخ طويل في المغالطات، و من خزينة ينخرها الفساد كما ينخر السوس الخشب.

كما أشاد ولد عبد العزيز بشكل مبالغ فيه بحسن تسييره للثروة العامة، “التي لم تزدد و إنما تغيرت العقليات” حسب قوله، غير أن المبالغة في تقديم الاقتصاد في صورة وردية خلابة كشف عن تناقض و تضارب، و كان سبق اللسان عندما قال إن “الأزمة الأقتصادية تمس البلاد جميعها” و هو يقصد العالم، و الارتباك الذي أصابه عندما تنبه لغلطه، دليلاً على صدق المثل الشعبي “السر تجيبُ الغفله”.

“المعارضة، التي وصفها بالمتطرفة و* غير النيرة، هم من كان يتولى تسيير البلاد خلال السنوات الماضية و هم من أغرقوها في لجج الفساد” حجة رددها ولد عبد العزيز، حتى كاد يصدقها، دون أن يدرك أن الواقفين أمامه يعرفون أنه كان جزء مهماً من نظام ولد الطائع، و كان قائد حرسه الرئاسي، و زوجته وصيفة السيدة الأولى بنت أحمد الطلبه، و أن دوره في الأنظمة اللاحقة كان يغالب دور “الرئيس”، و أنه تورط مع مافيا أكرا خلال الفترة الإنتقالية.. فـ”لـو سكتت لما رأوك”.

فالمعارضة “لا تقطع أمرا دون فرنسا، و لا تأتمر بغيرها، و تستضيف دائما أجانب “بعريفاتهم” ليشوهوا من خلالهم سمعة البلاد”، و لعله لم يخطر على بال ولد عبد العزيز أنه من استعان بهؤلاء الأجانب لتمرير انقلابه.

و لم يقتصر على ذلك و إنما أهان بسخريته نساء المعارضة و من خلالهن كل النساء.

و لعل أكثر مآخذ ولذ عبد العزيز على معارضته هو مطالبتها بـ”رحيله”، معتبرا أنه ليس من* “الحلال” في شرائع الديمقراطية المطالبة برحيل رئيس تم انتخابه قريبا”.. غير أن “الحرام” على المعارضة حلال عليه، حين يمتطي متن دبابته ليعزل رئيسا أُنتخب قبل أقل من عامين.. فهو يجرّم بالنية على مثل ما اقترفه بالفعل.

،كما لم ينتبه لتناقضه و هو يحمّل المعارضة مسؤولية فساد نظام أورثته إياه، و يتحدث عن تجاربهم السيئة.. فمتى تمت تجربة ولد مولود و بدر الدين و جميل ولد منصور و كان حاميدو بابا و عبد القدوس ولد اعبيدنا؟.. و كيف كانت تجربة أحمد ولد داداه المشهود بنزاهتها و تميزها؟!

رمتني بدائها و انسلت.!

و كيف يمكن لمن أعتبر هؤلاء معارضة فاسدة أن يعتبر “رمز الفساد” بيجل ولد هميد معارضة مسؤولة، كما وصفه في خطابه.؟!

و هكذا أيضا واصل ولد عبد العزيز إنكاره الشمس في كبد السماء، حين قال إنه لا يوجد في ظل حكمه سجين سياسي و لا سجين رأي و لا حرية تعبير.. كما أنكر وجود العبودية، التي أعتبر أن مشكلتها في “كثرة إنجاب” الأرقاء السابقين، “الذين لا يمكنهم أن يتساوو في مستواهم العلمي و المادي مع أبناء اسيادهم السابقين الذين كانوا يتعلمون و يجنون المال”، حسب قوله.

و لم تشفع الحجة للرئيس عزيز حين حاول إنكار اتفاقه في “القاعدة”، فكان في قوله إن “أمريكا مكثت* 15 سنة تبحث عن بن لادن، فلم تعثر عليه، فكيف تعثر عليه موريتانيا” تسطيحاً للأمر، فمقتضى ما تحدثت عنه التسريبات هو أن مسودة الاتفاق قام فرع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بعرضها على بن لادن لأخذ موافقته، فالذي عثر على بن لادن ليس ابن عبد العزيز و إنما الدروكدال.

تمديد المأمورية و حل الشيوخ

لا يخفى أن حل مجلس الشيوخ ليس سوى مبرر لتغيير الدستور، و حين يتم الاتفاق على تغييره، فسيكون هنالك من يقترحون تمديد المأموريات، و من يجد “شوّاء لا تحترق يداه”، و الرئيس الذي “لم يرغب يوما في السلطة” كما قال، سيخاطر بحكمه و باستقرار بلاده ليمكث فترة أخرى في السلطة.

*فلماذا لم يكتشف ولد عبد العزيز طول فترة حكمه مساوئ مجلس الشيوخ و “عرقلته الدائمة لمسار التشريع”.؟!

و لماذا كل هذا التطبيل للمجالس الجهوية التي سبق أن رفضها و كال لها ما شاء من الثلم و الثلب في بعض خرجاته الإعلامية.؟!

لقد بدا أن ولد عبد العزيز مصر على تغيير الدستور، لتمديد مأمورياته، حين ثمّن كلام الوزيرين ولد داداه و ولد اجاي و دعوتهما لذلك، و وصفه بأنه “عادي” واستشهد بكلام أحدهما و التفت إليه ملاطفاً، و كأنه يشجع بتشجيعه له أمام الملأ كلَ من ينحو نحوَه.. كما أنه يكاد يصرّح دون أن يلوّح حين يقول إنه “ماهُ قاعد للمعارضة” و لكنه “يقعد” لشعبه.. غير أنه يبدو أن هنالك ما ينغّص على ولد عبد العزيز مساعيه لتغيير الدستور، فهجومه على أمريكا و فرنسا يدل على استيائه من تصريحات أوباما و هولاند بخصوص تغيير الدستور، و توقعه مواقف حازمة ضد مسعاه، كما يدل ذكره المتكرر للربيع العربي و لأحداث بوركينا فاسو و مطالب المعارضة برحيله أنه يتوجس خيفة من أن تتكرر معه تلك التجارب.

و هكذا هجومه على “المثقفين” حيث قال إن “الدولة لا تحتاج لهم” لأنه يتوقع أنهم سيكونون الأكثر مناوئة لتغيير الدستور، و تشبثا بالمكاسب الديمقراطية.

الخلاصة، أن الرجل تكلم فكشف عن سرائره..!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى