مقابلات

قائد المنطقة العسكرية الثالثة للجيش الصحراوي حمه مالو: مهمة قوات المينورسو ناقصة! (مقابلة)


منطقة الكركارات تبعد 52 كلم عن مدينة نواذيبو

*أجرى المقابلة: محمد عبد اللطيف

يتكون جيش التحرير الشعبي الصحراوي من تنظيمات عسكرية تتوزع على عدة نواحٍ عسكرية تغطي كافة الأراضي المحررة، وترابط هذه القوات على مناطق التماس العسكري منذ وقف إطلاق النار سنة 1991، كما تقوم بأدوار ومسؤوليات إدارية وتنظيمية لتلك المناطق، وقد زارت صحيفة تقدمي الناحية العسكرية الثالثة بميجِك، وأجرت اللقاء التالي مع قائدها حمة مالو:

تقدمي: نود خلال هذا اللقاء أن نسعى إلى الحصول على إجابات تزيل الالتباس لدى الرأي العام الموريتاني حول بعض القضايا العسكرية والأمنية، وطرح أسئلة عامة حول ناحيتك العسكرية والجيش الصحراوي بشكل عام.

القائد حمه مالو: شكرا لكم، وأنتم على الرحب والسهل، ومربحا بصحيفتكم، وبكل وسائل الإعلام الموريتانية، ونحن ممتنون لكل وسيلة إعلام من الجارة موريتانيا تريد التواصل معنا؛ ونفهم جيدا المستوى الثقافي والحضاري للرأي العام الموريتاني، وكذلك لطبيعة العلاقات الأخوية والمصيرية التي يجب أن تربط الشعب الموريتاني والمجتمع الصحراوي، اللذان في الحقيقة يشكلان شعبا واحدا، يتقاسم روابط عميقة ومصيرية لا يمكن الفصل بين حدود تقاسمهما للتاريخ والحاضر، لذلك نرحب بكم مجددا، وأنتم بين إخوتكم وأهلكم في هذه الناحية.

تقدمي: شكرا لكم؛ نود تسليط الضوء على تاريخ هذه الناحية العسكرية الثالثة، وتوضيح المهام المنوطة بها ومساحة مسؤوليتها الجغرافية.

القائد حمه مالو: الناحية الثالثة هي إحدى نواحي جيش التحرير الشعبي الصحراوي، وهي من أقدمها، وقد واكبت هذه الناحية الحرب منذ بدئها مع العدو المغربي، وكانت في مواقع أخرى شمالا لكنها انتقلت منذ الثمانينات إلى هذا المكان في ميجِك، وبالنسبة لحدودها الجغرافية في السِّلم بعد إطلاق النار يمتد قطاع عملياتها إلى 450 كلم، أما مهامها الآنية في حالة وقف إطلاق النار هي تأمين المناطق المحررة، ومراقبة الحزام الدفاعي وتحركات العدو، لكن لديها مهام كذلك في التكوين والتدريب وإحياء التجربة القتالية للجيش الشعبي الصحرواي، وباعتبار موقعها الجغرافي فهي تعتبر كذلك ولاية حاضنة للمواطنين الصحراويين، وتسهر على توفير التعليم والرعاية الصحية، وتوفير الوسائل المادية والمعنوية للسكان.

تقدمي: هل هناك مسؤوليات اجتماعية تقدمها النحاية للمواطنين والعابرين للمنطقة على اعتبار أنها أيضا منطقة عبور لكثير من المرتحلين من مختلف الجنسيات والمنتجعين أثناء تساقط الأمطار؟

 القائد حمه مالو: كما قلت فالناحية بالإضافة إلى واجباتها العملياتية، فهي تقوم مقام الإدارة المدنية كولاية، وتتدخل في ظروف الكوارث الطبيعية من أجل توفير ظروف مادية مريحة للمواطنين والعابرين.

تقدمي: ماهي أشكال التعاون بينكم كناحية وقوّة المينورسو الدولية؟

القائد حمه مالو: بالفعل يوجد تعاون تحكمه اتفاقيات موقعة بين طرفي النزاع وقوات الأمم المتحدة منذ وقف إطلاق النار سنة 1991، والمينورسو أساسا مهمتها الأولى هي الإشراف على تنظيم استفتاء حر ونزيه لتقرير المصير، وهذه المهمة منذ 1991 وحتى الآن لم يتحقق منهما سوى وقف إطلاق النار، لكن الحفاظ على وقف إطلاق النار هو إرادة لدى الطرفين، لأن قوات الأمم المتحدة غير متواجدة في كل مكان، سواء في المناطق المحررة وداخل المناطق المحتلة، بل هي تتمركز في مناطق معينة، أريد أن أقول أن إلى حدّ الآن أن مهمة المينورسو ناقصة وتنحصر في مراقبة حالة وقف إطلاق النار، وبشكل عام ليس لدينا أي مشاكل معهم، ونحن نوفّر لهم كل الظروف المناسبة لتسهيل مهمتم.

تقدمي: ماهي جهود الناحية في مكافحة المخدرات والإرهاب، على اعتبار أن هذه المنطقة بشكل ما تعتبر طريقا دوليا عابرا بين عدة دول؟

القائد حمه مالو: بشكل عام نحن لسنا في منعزل عن العالم، والظروف التي تمر بها منطقة الساحل هي ظروف صعبة جدا، ونحن واعون لخطورة المرحلة، ونحن نعتبر أنه للحفاظ على مكاسب جيش التحرير الشعبي من التدنيس، فالناحية تبذل جهودا كبيرة لتطهير المنطقة من الإرهاب والجريمة المنظمة؛ ونعتبر أيضا أن سبب الجريمة المنظمة ومصدرها وتمويلها في المنطقة هو العدو المغربي، لأنه يكاد يكون المنتج الأول عالميا للمخدرات، والمخدرات هي المموّل الأكبر لعمليات الجريمة المنظمة والإرهاب.

تقدمي: يعلم الجميع أن هنالك مخلفات ألغام وذخائر مطمورة غير منفجرة من سنين الحرب وكذلك من بقايا الحرب العالمية الثانية، وهذه المنطقة تصنف كأحد أكبر حقول الألغام في العالم، فما هي جهود الناحية في مكافحة الألغام وأخطار مخلفات الذخائر غير المنفجرة؟

القائد حمه مالو: سؤال مهم جدا، وعيا من جيش التحرير الشعبي الصحراوي بعد وقف إطلاق النار بأن المنطقة المحررة قد لا تكون مهيأة لعيش البدو والمواطنين الرحل بشكل عام، فقد قمنا مباشرة في السنوات الأولى في التسعينات بمجهودات جبارة لتطهير المنطقة من مخلفات الحرب، فقد كان ميراث الحرب بشعا وقد ترك المنطقة وسخة جدا من هذه الجهة، وخلال تلك السنوات قامت وحدات الهندسة والجيش عموما بتطهير المنطقة، وهذا لايعني بأن المنطقة مطهرة كاملة، بل مازالت تكتشف من آن لآخر حقول ألغام، وما زاد من خطورة هذه الأشياء هو السيول الموسمية التي تنقل الألغام من حقول معلّمة للتطهير إلى مناطق أخرى مجهولة.

تقدمي: تابع العالم بقلق تطورات منطقة الكركارات مؤخرا، وتحدث الإعلام عنها بشكل مسهب، برأيكم هل كانت تلك التطورات تشكّل خطرا حقيقيا يمسّ حالة وقف إطلاق النار؟

القائد حمه مالو: الحقيقة تعوّدنا خلال وقف إطلاق النار على خرجات من العدو المغربي، ولم تكن الكركارات إلا خرجة جديدة تسّجل ضده، كما سجلت خرجات أخرى كـ “اكديم إزيك” ومع المناضلة أمنتو حيدار، وهي جس نبض للصحروايين، وإيهام للرأي العام العالمي، والصحراويون ملوا من وقف إطلاق النار، وهم لا يرغبون في الحرب ولا يريدوا أن يكونوا سباقين إلى تفجير حرب في المنطقة لكنهم سئموا من حالة وقف إطلاق النار التي لم تقدم حلا للشعب الصحراوي، فهم في انتظار حل سياسي منذ 26 سنة؛ والمغرب في أغسطس الماضي حاول أن يقنع العالم والرأي العام الإفريقي بضرورة إنجاز طريق دولي سبق أن حاول إنشاءه في 1996 ورفضت الأمم المتحدة والجبهة آنذاك أي خروج عن الوضع القائم عند وقف إطلاق النار، كما حاول في 2002 وتم إجهاض نواياه، لكنه في أغسطس الماضي أراد أن يضع الجميع أمام الأمر الواقع وشرع في خرقه لاتفاقية وقف إطلاق النار، وقد أعلمت الجبهة كافة الأطراف المعنية والأمم المتحدة، ورأينا تغاضيا دوليا عن الخطوة المغربية، لكن القيادة السياسية للجبهة قررت وضع حد لخروقات المغرب، وقالت بكل وضوح لا لتغيير الوضع القائم منذ الإتفاق إلا ضمن اتفاق شامل، وخيرت المغرب بين الرجوع إلى وضع ما قبل 11 أغسطس 2016 أو إلغاء حالة وقف إطلاق النار، وهي خطوة مغربية يائسة لكنها وللمفارقة كانت تخدم الصحراويين قبل أن تخدم العدو المغربي، لأنه كما سبق وأن قلت الصحراوين ملوا وسئموا ويريدون أسبابا قانوينة للتملص من حالة وقف إطلاق النار، فقد مل الشعب من الانتظار منذ 1991، كما انها أعطت الشعب الصحراوي شحنة جديدة ودعّمت الثقة في قوات جيش التحرير الشعبي الصحراوي، وقد أبانت تفاهة الدعاية المغربية بأن جيش التحرير الشعبي الصحراوي هو مرجد عصابات إنفصالية، وأبانت عمق درايتهم بقوتنا، وإلا لماذا لم يتقدموا خطوة واحدة، ولم يتجاسروا على تجاوز الخط الأحمر الذي وضعناه جليا في منطقة الكركارات؟! ومن المكاسب الأخرى أن الرأي العام العالمي كما ذكرتم تنبه إلى قضيتنا من جديد، وأدرك أن ثَمَ ملف لم يحسم بعد وشعب محتل لم يتم تحريره؛ إذن كما ذكرتُ لكم فهذه الخرجة التي أراد العدو من خلالها تحقيق مكاسب كانت وبالا عليه، وحقّقت مكاسب لقضيتنا لم يكن يتوقّعه.

تقدمي: ألا ترون أن المغرب هو من قام بضبط النفس وأظهر مقدرته على عدم الانجرار للحرب والحفاظ على حالة السلم القائمة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار؟

القائد حمه مالو: المغرب قام بنوع من الاستفزاز غير محسوب العواقب، وحقيقة نجح في ضبط النفس ولكن بعد رؤية العواقب، وهم لم يتوقعوا أن منطقة الكركارات –وهي صعبة التضاريس- يمكن أن يتواجد بها جيش التحرير الشعبي في وقت وجيز، لكنه بعد المفاجأة تمكن من ضبط النفس لأنه أحس بالمخاطرة ريثما يجد مبررات أخرى.

تقدمي: هناك خلط لدى الرأي العام الموريتاني يتلخّص في أن الكركارات هي منطقة تشكل ضاحية لمدينة نواذيبو وأن هذه التوترات بمثابة إعلان حرب في مدينة موريتانية يقطنها قرابة 150 ألف مدني موريتاني ومن مختلف الجنسات، فهل يمكن أن تشرحوا لنا بشكل جغرافي وطوبوغرافي تباعد المساحة بين منطقة العمليات مع مدينة نواذيبو؟

القائد حمه مالو: في الواقع الكركارات هي اسم لمعبر لا أكثر، ومنطقة أكركر هي في الواقع تراب صحراوي و بشكل عام تقع في الحزام على الحدود مع موريتانيا، والمسافة بين المعبر ومدينة نواذيبو تقدّر ب 52 كلم، وللتوضيح للرأي الموريتاني والصحرواي أيضا فنحن لا نعتبر أن هنالك حدودا بين الصحراء الغربية وموريتانية، فليست هناك تأشيرة بين الشعبين الشقيقين، والجميع يتنقلون أحرارا ولا يشعرون بوجود حدود، ونحن نحافظ ونعي المخاطر المشتركة للشعبين، وواعون لأي خطر تشكله الحرب على التراب الموريتاني، ولا نرغب إطلاقا في توتر جانبي قد يؤثر بشكل من الأشكال على الإقتصاد الموريتاني، وعلى سبيل المثال قبل ثلاثة أشهر حدثت أزمة على الحدود، وكان بإمكان الجبهة إيقاف كل الاستثمارات المغربية العابرة في تلك المنطقة إلى موريتانيا وإفريقيا، لكننا واعون جدا لتجنيب الاقتصاد الموريتاني أي أزمة حدودية، لذلك لم نقم بأي إجراء ضد حركة التجارة البرية، ولم نسأل حتى تلك السيارات والشاحنات العابرة عن أوراق سياراتهم.

تقدمي: هل تم أي تنسيق أو الإعلام المسبق للجيش الموريتاني بقيامكم بتلك العملية؟

القائد حمه مالو: لا علم لي بذلك.

تقدمي: هل يمكن أن نحظى برواية عسكرية من جانبكم لما حدث في الكركارات، وتفاصيل عن النواحي العسكرية التي شاركت في العملية؟

القائد حمه مالو: طبيعة الجيوش هي أنها لاتعيش السياسة، وليست موجودة لمتابعة الأحداث، فهي تعمل تحت الأوامر العسكرية والسياسية، وقد تم توجيهنا من قبل القيادة السياسية بضرورة توجيه وحدات عسكرية نخوية إلى النقطة محل التوتر، وكان المسار صعبا نتيجة الانقطاع الطويل عن تلك التضاريس منذ 1991، وحساسا لتقارب الحدود الموريتانية والحزام القوات المحتلة، ولأننا لا نريد أن تسجل الأمم المتحدة أي نقطة علينا باتجاه توريط الأشقاء الموريتانيين في الموضوع، واجتنبنا أي طريق قد تحتج عليه الأمم المتحدة أو المغرب باستخدام التراب الموريتاني للتنقل؛ ووصلنا إلى المنطقة في الوقت المطلوب، وكاد يوم 28 أغسطس الماضي أن يكون بداية الشعلة، لأن الوحدات العسكرية الصحراوية تحمل أوامر من القيادة السياسية والعسكرية لجبهة البوليزاريو بعدم السماح لقوات الجيش والدرك المغربي بخطوة واحدة إلى الأمام، وقد تواجدنا على خط التماس في مساحة لا تتخيّل أن تفصل بين الأعداء، وهي مساحة 120 متر، وفي ذلك الحين تدخلت قوات الأمم المتحدة، وتواصلت مع الأطراف، وهدأت الأمور، وتوصلت مع الأطراف إلى تحديد خط فاصل، وظل الالتزام بذلك الحد قائما إلى الآن في انتظار تلبية شروط الجبهة بالرجوع إلى خط ما قبل 11 أغسطس 2016.

تقدمي:  ما هو تقييمك للوضع العسكري القائم الآن في الكركارات؟

القائد حمه مالو: الوضع هادئ وحذر، وتبقى المعطيات الخارجية الدولية، وحتى الوطنية هي من تحدد معالم المستقبل، قد يحاول المغرب معاودة الاستفزاز ووقتها ربما ينزلق الوضع إلى ما لا تحمد عقباه.

تقدمي: برأيكم ماهو الخطر الوجودي الذي يشكله إقامة هذا الطريق الدولي؟

القائد حمه مالو: في الحقيقة لا يوجد خطر وجودي، فاحتلال خمسة كيلومترات لا يشكل خطرا وجوديا في ظل احتلال المغرب لمعظم التراب الصحراوي، لكننا نرى أن المساس بالوضع القائم منذ وقف إطلاق النار يشكل تهديدا لعملية السلام المؤملة بمجملها، ونحن نحافظ على حالة السلم الهش القائمة بهذا الإجراء، ونرفض أي خطوة تشكل خروجا على هذه الحالة، ونحن استراتيجيا لن نقبل بإدخال طرف ثالث للنزاع، ولن نسمح بالهروب إلى الأمام بإدخال طرف ثالث أو حتى رابع، فالمغرب يدأب على الزج بالجزائر أو حتى موريتانيا في هذا الصراع، وهذا ما لانقبله إطلاقا، فنحن نفهم الصراع وفق حقيقته الثنائية فقط.

تقدمي: مادمتم وصلتم إلى المياه الدافئة للمحيط الأطلسي هل لديكم نية لتأسيس مرفأ أو نواة لقوة بحرية صحراوية؟

القائد حمه مالو: نحن وطأنا مياه المحيط الدافئة فعلا، لكن هذا لا يعني أننا لدينا نية على المستوى القريب في البدء باستثمار مرفأ لغايات عسكرية أو مدنية، ووصلونا كان للتوضيح للرأي العالمي والصحراوي والمغربي أنه عندما تكون لدينا نية للوصول إلى أي نقطة حتى ولو كانت في الأراضي المحتلة نصل إليها، وحزام الذل والعار الذي تقيمه المغرب لا يشكل عائقا أمام المقاتلين الصحراويين، فهو حزام صنعه العدو للحد من الهجوم المباشرة ولم يوفر لهم الأمن، بل ورّطهم في حرب استنزاف أنهكتهم طويلا.

تقدمي: شكرا لكم على الإجابات والتوضيحات.

القائد حمه مالو: شكرا لكم وأنتم على الرحب والسعد.
 
   

الاكثر قراءة

لأعلى