نوحيات

كاريكاتير للشاعر الكبير!/ الشيخ نوح

كن ذلك الرجل المصفح والأسطوري الذي لا يبصر صور البؤس التي تملأ عينيك كما تمتلئ بها شوارع انواكشوط المغبرة؛ فالشاعر الحقيقي يجب أن يكون أكبر من هذه المواضيع والحوادث الهامشية؛ مثل قطة تموء جوعا على حافة حوض لمياه الصرف؛ أو مثل طفل يتسكع بسروال مقعر من الخلف يبيع الأكياس البلاستيكية للمتسوقين في سوق الفحم “مرصة لحموم”؛ أو مثل سيدة خمسينية احترق وجهها بسبب سياط لهب الشمس الغاضبة وهي تلتقط حبات من القمح على طريق الميناء سعيا لإطعام ستة أبناء يتهدد الضياع مستقبلهم.

مُرّ سريعا على بائعة الكسكس ثم انسَها؛ ولا تتذكر إلا نكهة ما صنعت يداها اللتان نحتتهما مداعبة الدقيق حتى صارتا بحجم ملعقة صغيرة.. نعم مُرّ بسرعة فأنت الكريم وابن الكرام ولا يليق بك إلا “مرور الكرام”!

ولْيخلُ شعرُك من مفردات الحياة والكدح والمعنى كالمحراث والقمح والخبز والحرية و” النيفاره”.. نعم ليخل شعرك من العمق والالتزام؛ ألست تنتمي إلى عصر موت الإنسان؛ عصر الضياع والفراغ الذي تلخصه عبارة سحرية هي اللامعنى؟ إذًا دع الالتزام والإنصات لأصوات الجياع والمشنوقين والذين سيشنقون لصغار الشعراء الذين تجاوزهم الزمن وما زالوا يظنون أن اللغة والشعر والفن غابات مشاعة للحفاة والصعاليك والمركونين في الهامش.. إنهم مضحكون؛ أليس كذلك؟

ابتسمْ وأنت ترقص على جثة العالم وهم يلتقطون لك صورة؛ ولا تنسَ أن تختار خلفية الصورة في المقهى الذي يليق بك؛ ولا بأس أن يكون في الخلفية لوحة لمنظر من قرية إيرلندية حيث سقوف البيوت المرصوصة بعناية من القرميد الأحمر وعلى مقربة منها يرعى قطيع من الخنازير؛ ولا بأس أيضا أن تكون في خلفية الصورة صورة شهيرة كصورة لفرقة البيتلز أو للشاعر محمد الماغوط في فمه سيجارة ويرتدي قبعته المغرية.

نعم.. هكذا تصبح “جنتلمان” وتكون محط أنظار الفتيات؛ فأنت نجم وهذه النجومية لن تحققها بقدر استثمارك وإثرائك لإنسانيتك؛ ولكنك ستحققها بهذا المجد الزجاجي!.

اختر لك لقبا واجعل حفنة من الأقارب والأصدقاء ينادونك به وكأن الأمر عفوي ثم اصطنعْ خجلا وتواضعا زائفين وأنت تختار لنفسك لقبا آخر “العبد الفقير” مثلا، ألم يقل العرب إن كثرة الأسماء تدل على أهمية المسمى؟ دعهم يختلفون في تأويل صمتك وعدم ردك على “المتطاولين” على ذاتك؛ فأنت لا تتكلم إلا بميزان؛ ولا ترد إلا بميقات.. ثرثراتك أدب وصمتك فن وشطحاتك فكر!

قبل أن تعطي رأيك في قضية شائكة انتظر حتى يتم إشباعها نقاشا؛ ولا بأس أن تتطفل على ما يكتبه صغار الكتبة والشعراء على الفيس؛ ولكن ادخل حساباتهم بحذر وخفة؛ فأنت كبييير وأكبر من هذا؛ ثم حين يتبين أين الاتجاه العام وأين جحافل الغوغاء الذين يبجلونك خُذْ موقفك بالشكل الذي يتوقعونه منك حتى تتجنب تعليقات من قبيل:(اخصارتك فيهَ.. إنا نربأ بك.. اخلعنّّ.. وسقط الشاعر الكبير)، فأنت لا يليق بك إلا: وخيرت.. ولا فض فوك.. واسكي.. وربما تمجيدة قبيلتك أيضا.

حين يتعلق الأمر بمعركة بين الشمس والظلام اغرقْ في بحر من النسيان واللامبالاة ثم إن ألحوا عليك اعتبر الأمر مجرد ترف فكري وكلامي لا يليق بك ولا بأس أن توحي للغوغاء بأنك معهم من باب الاستسهال والمجانية والضحالة.

كن كأنك لم تسمع ولم أقلِ: الشعر مروق وهرطقة؛ وشذوذ جميل أو لا يكون!

الاكثر قراءة

لأعلى