حروف النار

لست مواطنا صالحا/ حنفي ولد دهاه

أعتذر لكم، سادتي، فلم أستطع أن أكون مواطنا صالحا..
لم أستطع أن أَلغي عقلي، أو أن أحمل ضميري على الإفطار من صومه عن الترهات ..
لم يقنعني أن تضعوا مكانَ مقلتيّ جوهرتين.. فأنا ظللت الصدى الصائحَ من هامة كل من قتلتم غيلة.. أنا الشبح المنتفض من أُرومة كل من لفظ أنفاسه تحت سياط قهركم.
أعذروني إذا لم تقنعني جنراليةُ أهوج، ولا فحولةُ خصي، و لاطهارةُ بغي.
اعذروني حين لم تستفزني حضارة رعاء شاءٍ يتطاولون في البنيان..
أنا أبن هذه الأرض، طاردت فيها السعالى.. و ناغيت الطنبور، و جعلت لحمي طعاما لسيوف غزاتها.. و محابري سهاما في نحور ثقافتهم الدخيلة..
أنا ذلك الأسمر الذي تحكي سحنته لون التراب.. بلوت الحياة، فكنتُ غضونا في وجهها، و ثنايا في جبهة الأيام..
عشت ما عاشه فقيرها من حرمان، و نلت ما ناله “عبيدها” من قهر.. وخضت لجج بحرها الذي تأكل فيه القروش صغار السلمون.
فأعذروني إذا كفرت بمجتمعكم الذي يلعق رجيع الحاكم.. و بقانونكم الذي يعلو هامة الضعيف و يسفُل عند رجل القوي..
أعذروني إذا كفرت بكتب أجدادكم الصفراء، إن هي خولتني ظلم بشر، أو حكّمت سيوفَ غُلب الرقاب في الرقاب..
كفرت بمائكم الذي لا يروي، و بخبزكم الذي لا يُشبِع، وبكهربائكم التي لا تضيء.
كفرت بعمالقة يقودهم قزم، وبفرسان يسوسهم رعديد..
أكره بلادي لأنني أحبها..
أكرهها لأنها ادخلت كواعبَها، قاصراتِ الطرف، لماخور الجنرال العَفِن.
أكرهها لأنها أسلمت مقود سفينتها لربّان أعمى..
أكره فقيهها الذي يحكم بجواز اغتصاب حكمها، و مثقفها الذي ينظّر لظلم حجاجها الثقفي.
أكره العسكري الذي لا يصيخ سيفه لنداء وطنه، ولا ينطق رصاصه حين تُجِر الرشوة ألسنة البلغاء.
. أكره مزرعة الجنرال الأرعن، التي يتفيأ ظلالها، و يحصد غِلالها، و يختلس مالَها، و يخصي رجالها ، ويسبي نساءها و أطفالها
*****
ما هذه أرضي حين يصبح عزيزها الذليل فَصا في خاتم تكيبر المُصاغ من دماء الجياع..
ما هذه أرضي حين يسودها عزيز غير عزيز، ومحسن غير محسن، و كمال من غير كمال..
ما هذه أرضي حين أعيش فيها غريباً، محلأً في المناهل، لأنني لم أتمسح بِاسْت ولي عهد.
ما هذه أرضي حين تكون مستودع أسرار رئيسها صناديق كمبا با.
*****
تحدثي يا صناديق أكرا الغبية عن رئيس يسيل لعابه لبريق الدولار، حين يفتك الغرث بجياع شعبه.
تحدثي يا صفقة السنوسي، و يا مأمن أموال القذافي، و يا صفقات المعادن، عن يد مرتعشة تتسلل إليك حين يعصب المواطن على بطنه حجرا.
*****
أعذروني فقد خلعت ربقة وطن يجيس اللصوص في عرصاته..
أرفض أن أعيش على ضيم “الهنتات” و خسفه..
أرفض أن أكون نزوة في عزبة اطّوَيْلة، وتبريرا غبيا في خطابات ولد محم، و رصيدا في بنك ولد اللهاه، وسماعة في أُذن أحميده.
اعذروني فلست ذلك المواطن الصالح الذي تريدون.. لقد تعلمت الرفض قبل القبول، و الكلام قبل الصمت، و حروف النفي قبل حروف الإثبات..
تعلمت حديث الفطون، حين تعلمتم لغة البطون.
فأعذروني لست مواطنا صالحا..

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى