نوحيات

لم تعد الأم آلهة؟!/ الشيخ نوح

من حين لآخر تسمع بقصة ممعنة في اللإنسانية كهذه.. مع ذلك يظل المجتمع يصم أذنيه؛ ويظل رجال الدين والفقهاء يكرسون هذا التبلد الإنساني؛ فالهاجس الإنساني لدينا كمجتمع هو هاجس ضعيف جدا و رخو؛ وتتراكم عليه طبقات من التقاليد والسرديات الماقبل-إنسانية؛ وتتكثف عليه كثبان من اللاوعي المزروع في ذواتنا منذ الطفولة؛ حتى كدنا ننسلخ من إنسانيتنا فأنتجنا أفرادا قلوبهم كالحجارة بل أشد قسوة!

قبل عشر سنوات تقريبا مررت على مراهقين يطاردون قطا أليفا ومسكينا؛ وأخذوا يمطرونه بالحجارة، دخل القط إلى منزل مهجور فاقتفوه ثم أخرجوه عنوة؛ وهناك في الزاوية حشروه ورجموه بكل اجتهاد حتى الموت. منظر القط غارقا في دمائه مكشرا عن أسنانه البيضاء كان يعطيه منظر مسيح مغدور.

كانت المرة الأولى التي أرى فيها حد الرجم ينفذ؛ ولكن لحسن الحظ إلى حد ما أن المرجوم كان قطا؛ وإن كان الأمر يظل دوما فظيعا، غير أن السؤال الذي بزغ في ذهني حينها هو لماذا يجد هؤلاء الأطفال لذة في إعدام مخلوق مسالم ولطيف كالقط؟ وما هي جذور هذه الوحشية والهمجية؟

بعد ذلك بفترة رأيت بعين أمي أطفالا جمعوا عدة إطارات للسيارات؛ وتجشموا عناء البحث عن البنزين كي تشتعل الإطارات بسرعة؛ ثم جاؤوا بثلة من جراء الكلاب الوليدة وألقوها في النار حية، ودخلوا في مهرجان صاخب من الرقص وفي هستيريا جماعية من الضحك، كان أكثر المارة يرمقونهم دون أن ينبسوا ببنت شفة وبينما يكتفي أرحمهم بالقول: هؤلاء أطفال والأطفال لا يتحملون مسؤولية ما يقومون به؛ لأنهم مرفوع عنهم القلم.

لنعد إلى تلك القصة اللإنسانية الفظيعة ولكنها أصبحت جزء من يومياتنا التي لا تثير انتباها بسبب التكرار.. من حين لآخر ينساب إلى مسامعك صراخ رضيع ساعة الفجر، صراخ ما زال يحتفظ برائحة رحم الأم؛ فترهف السمع جيدا. إنه يأتي من هناااك.. من تلك القمامة التي تشكل هرما ينافس أهرام الجيزة، هو رضيع تخلت عنه أمه هربا من عار سيلاحقها إن هي احتفظت به؛ فهي قامت بما قامت به في الظلام أو تحت أضواء المصابيح من أجل العاطفة واللذة أو من أجل المال.. لا يهم؛ ولكن الأكثر أهمية والأكثر إثارة للشفقة حد القشعريرة هو الطريقة التي تخلصت بها من ثمرة بطنها؛ من تينك العينين البراقتين في عتمة الغسق؛ من مشروع حياة مفتوحة على كل الاحتمالات؛ من تلك البراءة التي لا ذنب لها سوى أن رجلا وامرأة تواطآ في لحظة مشحونة باللذة والمتعة والحياة؛ ثم تواطآ من جديد ضد الحياة، ولا شك أن هذا أكبر برهان على قدرة البشر في هذا المنكب المنكوب على الانسلاخ من إنسانيتهم والمضي أشواطا على درب الهمجية، فمثل هذه التصرفات والتي تجعل الحيوان أكثر إنسانوية منا؛ لا يمكنك معها إلا أن تكذّب ألوهية الأم التي تحدث عنها أرنست ليغوفيه قائلا: “إن الأم هي الآلهة الوحيدة التي ليس ليس لها ملحدون”.

يرفض الكثير من الفقهاء هنا أن يعترف الرجل بابنه من خارج العلاقات الشرعية على الرغم مما يسبب ذلك من مشاكل اجتماعية؛ وهزات نفسية لا تحصى لذلك الطفل البريء والذي لم يتدخل في طريقة وجوده؛ وعلى الرغم من أن بعض السلف قد أفتى بجواز ذلك مثل حسن البصري وغيره؛ إلا أن رأي الفقهاء هنا قابل أن نسقط عليه مقولة المفكر الإسلامي جمال البنا “إن الدين جاء من أجل خدمة الإنسانية بينما كرسه الفقهاء لخدمة أنفسهم”. رجال دين لا يهمهم ما تموج به المجتمعات من مشاكل وتتخبط فيه من أزمات بقدرما يهتمون فقط بما يريح أعصاب السلطان؛ ويُسمن جيوبهم؛ وما يُبقي القطيع منصاعا لرغبات ونزوات الراعي، وهكذا يعيش الناس في خوف مستمر من الحرية والأضواء ومن إنسانيتهم ليبقوا فريسة للاستغلال الديني وبراغماتية الساسة.. إن الأغنام تعيش عمرها في قلق وخوف مستمر من الذئب وفي نهاية المطاف يأكلها الراعي.

لو أفتى فقهاؤنا بحرمة الدم البشري وقداسته وركزوا على ذلك أولا قبل أي شيء؛ وبحرمة أذية الإنسانية قبل شيء؛ وبقداسة الحياة كقيمة مركزية في الوجود؛ ولو عملوا على زرع ضمير إنساني يعي قيمة الحياة والوجود كمبادئ وغايات قارة ونهائية؛ لتغيرت نظرتنا للكثير من المسلمات الواهية؛ ولكان المتدينون أكثر إنسانية وأكثر عقلانية وقربا من مقاصد الشرع وقوانين الوجود. إلا أنهم اختاروا أن يفتوا بحرمة الفيس بوك؛ و بحلية الزواج من جميلات الجن!

الاكثر قراءة

لأعلى