حروف النار

مجلس و زراء ولد عبد العزيز/ حنفي ولد دهاه

كان على ولد عبد العزيز أن يستقيظ اليوم، بكورَ الطير من وكناتها، فهو يوم موعده مع وزرائه في اجتماعهم الأسبوعي.. قام من مخدعه متقاثلا، فهو لم يهنأ بنومه، حيث كان شخير تكيبر مزعجا، كما أن طفليه أحمدُّ و حمزة سهرا ليلهما على لعبة البلايستيشن اللعينة.. كان يحسو الغفوة حسوَ الطير.. ثم يأتي اجتماع الوزراء اللعين لينغص عليه صفو يومه…” أوف.. كم أكره هؤلاء الوزراء البؤساء”..
رادوته فكرة أن يلغي اجتماع اليوم، أو أن يجتمعوا دونه على أن يعطيهم لائحة التعيينات. أما مشاريع المراسيم والقوانين فليتصرفوا فيها كما يشاءون.. يضحك في سره ” هل هناك قانون غيري.. أنا القانون”.. شيء في داخله يهمس له “آه.. لو تدري أستو امبوب بائعة الفستق المقلي في دارو مستي، أنني اصبحت رئيسا لـ”كَانار”.. (يضحك).. كنت اسرق عليها حبات الفستق فتقيم الدينا ولا تقعدها، أما هذا الشعب البائس فها أنا أسرق ثرواته، و اكرع في حياض خيراته فاشتفّها دون أن يحرك ساكنا.. لقد ارتقيت والله يا سارق “كَرت” مرتقى صعباً”.
تغير تكيبر هيئة اضجاعها فوق السرير، وتقول له : محمد.. أوعَيت؟!.. يرد عليها: نعم.. و لكن “أهل موريتاني اللّه لا اوعَاوْ”.. تضحك ملء شدقيها، وتقول له: آمين، يخي بركتْ بوك.
يرد عليها متعجبا: بركتّ بويَ !!

*****
الساعة الحائطية تشير إلى العاشرة صباحا، و الشمس تبصق لعابها على النوافذ، فتتسلل إيُاتها داخل غرفة النوم، كما تسلل الجنرال الدارو موستيُّ إلى دفاتر التاريخ.. يتحامل بجسم متعب ليصلي صبحه، في ركعته الأخيرة، تذكر أنه لا يحفظ “دعاء القنوت”.. أنهى صلاته، وألتفت إلى كتلة اللحم المتكورة فوق السرير، سألها:
ـ تكيبر، هل تحفظين دعاء القنوت؟
ـ القنوت شنهو الخير..؟!
– لو كانت بعد كمسيوه تعودي تعرفيها.. وغرق ولد عبد العزيز في ضحك هستيري.
ـ يعمّرنَ..ما بيك بعد انت كره كومسيوهات..خليني راكدة اشبه
– حك انتي والشعب الموريتاني اشبه فيّ ألا اتّمو اركود.

*****
تحامل مشيَ النزيف”.. وئيدا، يكاد يتعثر في السجاد الأحمر، ونظر في المرآة، فراعه “البياض” المنتشر في جسده، أخذ علبة كريم الأساس “Fond de teint”، وطفق يدلك به جلده.. تذكر أنه لم يأخذ حمامه ثم زم شفتيه.. ” لا يهم، فأنا رئيس تحممت أم لم أتحمم.. سيدافع ولد محم و حزبه عن قذاراتي.. سيقولون إنني أنظف و أطهر من الركن اليماني.. فلماذا أُمرِض النفس بالماء البارد في السّبَرَات”.
دس الرئيس أصبعه في إبطه، ثم شمه .. “نعم.. رائحته ليست زكيّة.. ولكن من يمكنه أن يتأذى من رائحة إبط رئيس الجمهورية.. المعارضة.!!.. نعم المعارضة يمكنها التشهير برائحة إبطي.. ستترك حديثها عن نهبي للبلاد و ودأي للحلم الديمقراطي، لتشهر برائحة إبطي.. ولكن، حتى لو فاح بأزكى الروائح، فستجعل منه بؤرة العفن. ولكن سيقول لهم ولد محم إن الله خلقني من عجينة مسك، وخلق باقي البشر من حمأ مسنون”.. ثم يضحك: ولد محم رجل مخلص تزوج خيرة.. لم يرض إلا أن يتزوج “التلفزة الرسمية” حتى يجعلها أكثر رسمية.. أما أختها ” توتو…” ثم يلتفت فزِعا إلى تكيبر التي تغط في سباتها، و قد أطلقت صفارات شخير، فيهمس ضاحكا “الحمد لله المانك واعية”..!

*****
الساعة الجدارية، تشير إلى العاشرة و النصف، و جَلَبة الطاقم الرئاسي تخترق باب غرفة نوم الرئيس فتختلط بشخير السيدة الأولى..
يقف الرئيس أمام المرآة ليرتب هندامه، و ليعتني بشعره المنحسر كمؤشرات الاقتصاد الوطني.
قبل أن يغادر ولد عبد العزيز غرفة نومه، متوجها إلى قاعة مجلس الوزراء، خاطبته تكيبر نصفَ نائمة:
– لا تنسَ تعيين إبن خالة جدتي مديرا لشركةٍ “فيهَ شِ”.. و تعيين حارس “كزرة” والدي في تنسويلم رئيس مجلس إدارة.
ـ لا تقلقي.. ولكن لا تنسي أن تسألي “الكزانة ” الجديدة عن طالع إيزيد بيه ولد محمد محمود أعتقد أنه نحس.
*****
ينعقد اجتماع مجلس الوزراء، ويجلس الرئيس محفوفا بوزرائه، الذين أطرقوا و كأنما على رؤسهم الطير.. ينظر ولد عبد العزيز في وجه يحي ولد حدمين، فيبتسم الأخير ابتسامة عريضة، فيسر ولد عبد العزيز لنفسه :
– “دَسّنَه” .. يحي، أصبح يبتسم مثل مولاي ولد محمد لغظف، مسيكين..!
يهمس ولد حدمين في أذن ولد عبد العزيز:
– سيدي الرئيس، وردت على هاتفي رسالة قصيرة من السيدة تكيبر، تقول لك إن الكزانة قد وصلت . ولكنها لم تتذكر الوزير الذي تريد أن تستخير عن طالعه هل هو إيزيد بيه أم ولد إيزيد بيه.. و لأنك كنت مشغولا بالحديث مع جاه مختار، فقد قلت لها إنه ولد إيزيد بيه..
تجهم ولد عبد العزيز، ورد على وزيره الأول متشنجا:
– ما أدراك أنت!!.. أقسم لو لم يتم تعيين سيدي ولد أحمد ديّ الأسبوع الماضي رئيسا لمجلس إدارة شركة النقل العمومي، لما عينته بعدها، عقوبة لك على “ترشتك”.. لنبدأ .
تحرك ولد عبد العزيز على مقعده الوثير يمنة ويسرة.. ونظر في وجوه الوزراء الواجمين كـلصوص في مخفر شرطة.. ثم أسر لنفسه ” أوف…وزيرات دميمات… مسيكينه مولاتي بنت المختار، كنت أتحدث معها بالولوفية، فلا يفهم الوزراء “نِينِي”.. كان محياها ينير مجلسنا البائس، ولكن “غيرة” تكيبر دفعتني لاستبعادها عنه.. الموت لتكيبر..!!
ثم يرفع عقيرته مخاطبا الوزراء:
السادة الوزراء، أنا رئيسكم و يحي وزيركم الأول.. وهذا أمر ينبغي أن يدركه كل وزير.. فلا قبيلة لي و لا ابن خالة، فإذا ما قدم منكم أحد امتيازا لمقرب مني، فليعرف أنه قدم امتيازا لمقرب مني.. وسأعامله على أنه قدم هذا الامتياز لمقرب مني.. واضح..؟؟
فاندفعت جلبة في القاعة تتدافع الجدران صداها: نعم.. واضح.. واضح.!
ويهمس يحي ولد حدمين في إذن ولد عبد العزيز:
– سيدي، هل أفهم من هذا أن اتحفظ فيما يتعلق بافيل و أحمدُّ..؟!
و لكن الرئيس ينظر إليه شزرا، فيتراجع:
– فهمت.. فهمت سيدي الرئيس..!
و يواصل الرئيس كلامه:
– البلد اشبه بسيارة، له محرك هو الاقتصاد و الثروة، ومقود هو المؤسسة العسكرية، و أربعة عجلات هي الجهات التي ينبغي أن نقسم بينها المناصب والتعيينات، حسب كثافتها السكانية وولاءها لشخصي، كما أن هنالك قطعَ غيار مهمة منها التعليم و الصحة و العدالة و البرلمان و الصحافة (اتفو.!) و القطاع الخاص، و العلاقات الدبلوماسية وغيرها.. حيث يُحْدِث أي خلل فيها خللا في سلاسة القيادة، التي يتولاها شخصي.. أنا سائق هذه السيارة و أنا ميكانكيها.
يتوقف الصوت فجأة، حين يدخل مستشار الرئيس حميده، وهو يُغِذّ خطاه.. ثم يهمس في أذن الرئيس:
– سيدي، الجنرال ولد الغزواني يتحدث في هاتفه الآن مع ضابط فرنسي.. يبدو أن هنالك عبارت مشفرة في حديثهما.. أقسم على ذلك.. أنا ديماني أفرق بين الكناية و التصريح ..!
فيرد الرئيس: سجل حديثهما..!
ثم يواصل ولد عبد العزيز حديثه للوزراء:
– هذه السيارة إذا غاصت في الرمل، كما يحدث عادة إبان الانتخابات و الأزمات السياسية المستحكمة، فأنتم الوزراء من عليه أن ينزل منها ليدفعها.. تماما كما نفعل حين يضعف شحن بطارية سيارة.. و إذا كنتم أوفياء، مثل مولاي ولد محمد لغظف، فعليكم أن تتقبلوا احتمال أن أواصل سيري بها، دونكم، بعد مساعدتكم لي في تخليصها من وعثاء الرمل.. فالوفي لشخصي ينبغي أن لا يتوقع مني مكافئته بالحسنى، دائما.. أنا هكذا كونوا أوفياء لي حتى لو لم أكن وفيا لكم..
اليوم سيعين كل واحد منا قريبا له.. اجتماعنا اليوم هو لتعيين الأقارب، مثلما كان اجتماع الأسبوع الماضي لتعيين الأصهار.. المهم أن لا يكون من سنقوم بتعيينهم من المعارضة. و أن لا يكونوا مثقفين، فأنا أكره الثقافة، تماما كما أكره المصطفى ولد الشافعي .. (ثم ينظر في وجه الناهة بنت مكناس، ويسر لنفسه: أعرف أنه صديقها..)
*****
يعبُّ ولد عبد العزيز من قنينة ماء معدني، قبل أن يعود لمواصلة حديثه:
– اليوم، سنقترح قوانين، بالغة الأهمية:
* قانون يُجبِر رئيس الدولة على تطليق زوجته بعد انتهاء مأموريته الثانية.
* قانون يمنح الحق في “الدصارة” على أبناء العم .. و أنا من سيبدأ بـ”الدصارة” على اعل ولد محمد فال و ولد بوعماتو وأحمد حمزة.
* قانون بإقامة نصب تذكاري لفتاة نواذيبو “المامية”، وتشجيع بقية الفتيات الموريتانيات على اقتراف فعلتها.. فلا أريد أن يبقى فوق هذه الأرض رجل بأُنثييه.. أريدها دولة مخنثين.
قانون باقتناء “ناسخة” Photocopieuse ليتم من خلالها نسخ وتكثير ولد احمدوا و ولد محم وإيزيد بيه ويحي ولد حدمين وكمال ولد محمدُّ و محمد عبد الله ولد لوداعة،. أريد دولة موطنوها نسخ منهم.. و بعدها نبيد من سواهم من المواطنين، غير الصالحين.
*****
التف ولد عبد العزيز إلى وزرائه الواجمين، وقال لهم:
ـ أما الآن، فهل لدى أحدكم من اقتراح..؟!
فتناول وزير العلاقات مع البرلمان ايزيد بيه الحديث، و قال:
– سيدي الرئيس أيها السميدع، الجحجاح، الغطمطم، بحر النائل، و ينبوع الفضائل، و محمود الشمائل.. لدي رأي ليس بالفائل، و اقتراح ليس مستقيمه بالمائل..
وهناك قطب ولد عبد العزيز جبينه، ونظر شزرا إلى يحي ولد حدمين، الذي نهر إيزيد بيه، قائلا:
– يبدو أنك، يا إزيد بيه، لا تستحق أن تكون وزيرا، فالرئيس يسألنا عن اقتراحاتنا، غير أنه لا ينبغي أن تكون لنا اقتراحات.. نحن هنا تماثيل شمع، و وحده الرئيس من تدّب فيه الحياة.
وهنا، استوى الرئيس واقفا، و صاح في وجوههم: انتهى الاجتماع..!!

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى