مقالات

مطار اسطمبول كما بدا لي/ اسماعيل ولد يعقوب ولد الشيخ سيديا

اسماعيل ولد يعقوب ولد الشيخ سيديا

مررت بهذا المكان من أرض الله أكثر من مرة كما الآلاف من أبناء آدم يوميا؛ وفي كل مرة يعتمل في ذهني مقال عنه فيتلاشى المقال مع المقام. و هذه المرة لن أكتب دراسة فنية ملأى بالأرقام والتواريخ؛بل مجرد مشاهدات واستخلاصات.

خيل إلي حين دلفت إحدى بواباته أول مرة في صائفة 2013 أني سأرى رجب طيب أردوغان وقد اجتمع عليه رجال من المعارضة السورية وصحافة يابانيون؛ وأن أرى في الزاوية إحدى بطلات أحد المسلسلات التركية تراود ممثلا لبنانيا ليدبلج لها ترحيبا خاصا بي. وأرى على السلم المتحرك شبابا مردا يغنون بتناغم أهازيج صوفية ويلوحون بالبخور وصور آخر الخلفاء العثمانيين.

لعلها الصور النمطية التي تعلق بذهن المرء حول أي مكان يجهله؛ ولم يسبق أن وطئته قدماه.

وآخر مرة أزوره هي في أغسطس 2017 ؛ تنامت الانطباعات وتداعت الاستفهامات؛ آلاف مؤلفة من الرجال والنساء والصبيان يذرعون مساحة أظنها بحجم أربعة ملاعب لكرة القدم.

مطاعم ومحلات ومقاه وطهاة وباعة ورفوف من البضائع تشحن وأخرى تحط.

لوحات صغيرة ومتوسطة وكبيرة تضمنت جداول الرحلات ومواقيتها وصالات تجمع المسافرين؛ كتبت بالإنگليزية والتركية.

مكبرات صوت تخطف الأسماع من حين لآخر ينعشها متحدثات ومتحدثون لإبلاغ عن موعد أو إلحاح في حلول آخر.

وحين ساقتني الأقدار إلى شرفة الدنيا حيث المكان الوحيد في تلك البقعة التي ينفث فيها المدخنون ماينفثون؛ حصل التجلي؛ مستطيل ضيق تموت فيه كل دقيقة عشرات العلب من التبغ.

محجبة شابة من الشرق الأوسط تولي الكل ظهرها وقد أوشكت على إكمال تبغها؛ وحولها حاخام شاب وضع قبعة صغيرة على وسط صدره وفي الزاوية المقابلة فتيات وشباب من البلقان ووسط إفريقيا وكهل إيراني مع آخر عراقي ومضيفات وملاحون أتراك يسابقون الزمن لإكمال رضاعة سيگارة الوداع قبل الإقلاع.

يحيط بتلك الشرفة شباك صفير الفتحات شديد التهوية تتراأى منه عشرات الطائرات الجاثمة في انتظام من صنع أوروبي وأمريكي في الغالب؛ وخلفها تستقيم الرؤية لأرضية الهبوط ؛ فيمكنك تمييز الطائرات الهابطة لتوها من تلك المقلعة ؛ فأبرز جملتين في أرض الله تلك هما : هذا غاد وهذا رائح.

فكلما هبطت طائرة واستقر بها المقام ؛ استبد الحنين بأخرى للأرض فتلتها على مرأى ومسمع من سكان الشرفة الدنيوية تلك.

تتجدد الأوجه والسحنات واللغات كل خمس دقائق فكل مفردات الرحيل حاضرة؛ لغة إنگليزية مكسرة أحيانا ومتقنة أحايين يتجاذبها الناس متعارفيهم وغير متعارفيهم؛ مئات العمال المحليين بأزياء موحدة منها الأحمر والأزرق وكثيرها البياض والسواد.

الشركة المحلية للنقل الجوي هي سيدة المكان؛ كل شيء يحدث عنها وكل شيء لها؛ قليلة هي صور الأشخاص القادة الأتراك معلقة على الجدران؛ بل هي عديمة.

لكل شيء صوت في مطار اسطمبول جرارات المتاع وحمالات ذوي الاحتياجات الخاصة؛ وأباريق القهوة وملاعق الصحون.

تصل سمعك أحيانا صرخة طفل يريد التملص من رفقة أمه التي أطالت الإمساك به كي لا يبكي على مصورة يابانية صغيرة الحجم غالية الثمن عرضت إلى جانب ساعات كبار صائغي اسويسرا.

ترى لم لم نك مثلهم هناك في غرب إفريقيا ؟ ترى كيف وصلوا إلى جو من طمأنة رأس المال ذلك الذي استودع كل تلك المليارات في تلك البقعة؟ ما سر كل هذه الحركية وهذه الأبهة وذلك النجاح؟

صحيح أنهم تحكموا كعثمانيين بمصائر الأمة الإسلامية قرونا ووضعوا بصماتهم على الحضارة الإسلامية؛ لكنهم انكمشوا ومروا بانتكاسات عقدية وأمنية بالكاد خرجوا منها بسلام.

مطار اسطمبول هو عصارة لرفض الدكتاتورية و الإصرار على الريادة والمكابدة في سبيل التميز؛ إنها خلية نحل بشرية توشك أن تحدث عن نفسها بفصاحة فهل من مدكر؟

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى