تحقيقات

ملف الخطوط الجوية الموريتانية : من النشأة إلى الإفلاس (١-٥)/ سيدي علي بلعمش

“… الوصول إلى مطار نواكشوط هو حقا المدخل إلى (عالم الذهول)! هو أول عرض من أعراض (الصدمة الحضارية).. فُتح باب الطائرة فإذا بأرض المطار مليئة بالحفر والتشققات.. لا توجد حافلات تنقل الركاب من الطائرة إلى قاعة الوصول!.. بل يتناثر الناس في أرض المطار مشيا وركضا في فوضى رهيبة متجهين نحو باب القاعة.. الحقائب تفرغ من الطائرة على أرض المطار ويركض الناس بينها يعوقهم الظلام.. فليس هناك من أضواء تساعدك في تحاشي التعثر في حقيبة هنا أو هناك أو حفرة من تلك الحفر.. إلا من ضوء بعيد يأتي من عامود عند باب قاعة الوصول حوله نافورة اسطوانية.. تبدو من بعيد جميلة وسط هذا المشهد الصادم، تسير على هدي هذا الضوء البعيد والنافورة التي تحيط به إلى أن تصل قريبا منه فتتجمد مكانك واقفا مذهولا مذعورا.. فالذي بدا من بعيد نافورة جميلة حول عامود النور ما هو إلا سرب من الحشرات حول النور! وقبل أن يعود مخك إلى العمل من جديد بعد لحظات التجمد والذعر تكتشف أنها ليست فراشات! إنها حشرات لا تعرف إن كانت ذبابا أو نملا أو صراصير.. فهي هجين من كل هذا.. تتردد، مستحيل أن أمضي إلى النهاية.. تشخص ببصرك إلى الطائرة.. يائسا من إمكانية العودة إلى طاقمها لتتوسل إليه:”رجعت في كلامي خدوني معاكم تاني” إنما عقلك يدرك ألا مجال هناك لهذا التراجع السريع! خائفا من التقدم وهذا السرب من الحشرة الهجينة ينتظرك على الباب .. على وجه القائل ابتسامة سخرية من ذعري! داخل القاعة توجد في السقف مراوح لا طائل من عملها أمام هذا الحر الخانق المفزع.. المطار غير مكيف! الأجساد تتلاصق وروائح تملأ المكان تكاد تقضي على البقية الباقية من الصمود! …”

مقطع موفق من مقال هويدا طه “زيارة إلى موريتانيا الأولى .. و الأخيرة” (الحوار المتمدن 28/09/2006) أستهل به هذا التحقيق للغوص في قصة مأساتنا من بوابة الخطوط الجوية الموريتانية التي ظلت طويلا على رأس قائمة نخبة المؤسسات في البلد، قبل أن نتفاجأ (تماما مثل هويدا) مذهولين و مذعورين .. بأن “الذي بدا من بعيد نافورة جميلة حول عامود النور ما هو إلا سرب من الحشرات” .. و نكتشف أن سرب الحشرات في الخارج توازيه أسراب و قوافل من القوارض في الداخل تنهش العمود الفقري للبلد في ظلام موحش و صمت مطبق.
ـ لا أحد يجرؤ على الكلام من بين جميع المعنيين بالملف و من يجرؤ على بعضه يقف دون البعض و هو الأسوأ، لكن لا شيء يمكن أن يغطي وجه الحقيقة إلى الأبد، وكل من يتستر خلف الأباطيل على موعد حتمي مع العراء طال الزمن أو قصر.
ـ إن التعتيم على حقيقة نهب الخطوط الجوية الموريتانية الذي شابه الحرائق في أكثر من وجه، جريمة بكامل أركانها في حق هذا الوطن المستباح ، يجب أن لا تمر من دون عقوبة.
فليعذرنا كل من يغضب لورود اسمه أمام أفعاله غير المسؤولة لأن تلك مسؤوليتنا التي نتحمل كامل مسؤوليتها أمام الله و أمام شعبنا الذي يجب أن يفهم أنها جرائم لا تسقط بالتقادم، لن يكون جديرا بالبقاء إذا لم يفرض محاكمة كل الضالعين فيها إحقاقا للحق و إكراما للوطن و ردعا للعابثين بكل أسباب الوجود و الاستقرار في هذا البلد الطيب.
لقد حيرتني قدرة هذه المؤسسة العملاقة على البقاء رغم الضربات المؤلمة التي تتالت في مقاتلها ، لكن لا شيء يمكن أن يصمد إلى الأبد في وجه معاول الهدم المستمر.
فشكرا لمن شيدوا الخطوط الجوية الموريتانية حتى أصبحت أفضل مؤسسة طيران في الغرب الإفريقي : شكرا لهم لأنهم أثبتوا لنا أننا قادرون على مواكبة العالم .. و شكرا لهم  لأنهم علمونا أن علينا أن نعمل لنستحق حياة أفضل .. و شكرا لهم لأنهم مروا  بهذه الأرض و لم يفسدوا و لم يطهدوا و لم يتجبروا و لم يظلموا، لنفهم أننا نعيب الدهر و العيب فينا..  و شكرا لهم لأنهم عاشوا نبلاء و سيموتون خالدين ليعلموننا أنه ما مات من أبقى ثناء مخلدا و لا عاش من قد عاش عيشا مذمما …
و هي مناسبة لنقلب المنجل عن وجوه سماسرة زمن الانحطاط و منطق الارتزاق لنعدهم بأن زمن المحاسبة آت لا محالة لينالوا جزاء ما اغترفت أياديهم الوسخة من آثام في حق هذا الشعب المسكين الذي تقوده عصابات التجار و العسكر منذ إنشائه حتى اليوم، بالوعود الكاذبة و الممارسات القهرية و الدسائس الدنيئة في عملية استنزاف مستمرة لا يعرف أصحابها الرحمة.
سأسمي الأشياء بأسمائها في هذا التحقيق لأنني أرفض أن يعيثوا في أرضنا فسادا و يشيدوا لنا قانونا يمنع علينا أن نتحدث عنها . و على من يشكك فيها أو يحتج عليها أن يطلب فتح تحقيق رسمي في القضية لتفهموا أننا نتهم بالتهويل في حين نعجز عن نقل دوني الحقيقة: لا أحد يستطيع أن ينقل عشر ما تقوم به هذه العصابات المحترفة من إجرام.
على القانون و المتكلمين باسمه في موريتانيا أن يخجلوا حين تمر بهم كل هذه الجرائم من دون عقوبة .. أن يخرسوا لأنهم أكبر متواطئ مع الجريمة بوجود هؤلاء اليوم  خارج القضبان .. أن يفهموا أنهم لو كانوا موجودين لما وصلنا إلى هذا الحد .. أنه لو كان هناك من يخافهم أو يحترمهم  في هذا البلد لما حصلت فيه كل هذه المعجزات الحقيقية .. أن يفهموا أنه أصبح من حقنا ـ بعد استقالتهم الكاملة أمام مسؤولياتهم ـ أن ندافع عن أنفسنا و عن أرضنا و شعبنا غير مبالين بما يرضيهم أو ما يغضبهم.
و على القانون و المتكلمين باسمه في موريتانيا أن يعتذروا اليوم لهذا الشعب عن ما حدث فيه من جرائم في حقهم أمام أعين قانون منزوع السلاح تحول في زمن الفساد من حارس لحقوق الناس إلى شاهد زور على عدالة اغتصابها.
سأسمي الأشياء بأسمائها لأننا يمكن أن نخضع لقهر الظلم لكننا لن نسلم بعدالته و لن نساهم في حماية أهله و لن نخاف من تهديداتهم و سطوتهم و  جبروتهم.
سأروي الحقائق كما حصلت أمام أعين الجميع غير مبال بما عدا ذلك أو ما يعنيه أو يترتب عليه، فـ”لا عدالة إلا في الحقيقة ـ كما قال زولا ـ و لا سعادة إلا في العدالة”.

إن وسيلة هؤلاء المجمرمين اليوم للإفلات من العقوبات هي التسابق لمراضاة كل نظام يأتي و التقاني في خدمة من يحكم بحثا عن غطاء سياسي لا يكاد ينتهي حتى يتحولون إلى من يأتي بعده و هكذا دواليك حتى يقبض عليهم الموت.
لعل أسوأ ما في الانقلابات العسكرية هو أنها تأتي بأنظمة مهزوزة و مرفوضة ، تكون وسيلتها الوحيدة للبقاء هي البحث عن صيادي الفرص مثل هؤلاء ممن لا يفكرون في غير البقاء بأقل شروط فيصنعون منهم طوابير إذلال على امتداد طريق عبورهم و يتحكمون من خلالهم في أخيار الناس من دون أن يستطيعوا التخلص من هذه الورطة حتى يسقطوا . لأن من تكون هذه الزمرة بجنبه لا يمكن أن يتكلم عن إصلاح و لا عن أخلاق و لا عن ما دون ذلك بكثير ، فيجد نفسه سجين واقع يكذب كل ما يقوله و يظل رفضه يزداد مع الزمن حتى يأتي من يختلعه بلا رحمة من دون أن يجد في البلد كله من يأسف على غير عدم قتله؟
و الحقيقة أنه ليس هناك رئيس مهما كانت بشاعته لا يتمنى أن ينمو بلده و يزدهر و يكون محبوبا عند شعبه و خالد الذكر في بلده ، لكن هذه العصابات توهمهم أن لا إمكانية لبقائهم من دونها  و تقحمهم في صراع مع الشعب بلا نهاية فينسون أنهم مهما حكموا لا بد أن تأتي نهايتهم بكل ما يترتب عليها من حساب و عقاب !؟
علينا جميعا شعبا و نظاما أن نقف هنا وقفة تأمل لنفهم أن هؤلاء الأشرار استطاعوا أن يجعلونا في مواجهة بعضنا و في معركة بلا نهاية، هم وحدهم من يكسبون فيها لتبقى السلطة معزولة في قلعة عصيان لا بد أن تسقط يوما و يبقى الشعب محروما و مستباحا يتعالى صراخه في كل اتجاه . يجب أن نخرج هؤلاء من اللعبة لنرى أنه باستطاعتنا أن نكون أفضل على أكثر من صعيد .. أنه باستطاعتنا أن نحل كل مشاكلنا .. و نتخلص من كل أمراضنا و أسباب ضعفنا.
فليخرج هؤلاء لأنهم لا يستحقون الحياة و لا يستحقون أن يعيشوا على أكتاف مجتمع أنهكته السياسات المعوقة بالنهب و الغبن و الفساد على أيادي هذه العصابات المريضة النزعة و الانتماء.
لا تستطيع أي سلطة في موريتانيا أن تعمل مصالحة مع شعبها أكبر من الحرب على المفسدين : هذا هو الإرهاب الذي يهدد موريتانيا و هو الخراب الذي يهدد موريتانيا و هو العائق التنموي الأول و مصدر خلافنا الأول و الأخير : لسنا بحاجة إلى الديمقراطية و لا إلى السفسطائية؛ إن حاجتنا أولا هي إلى أن نثبت أننا بشر و أننا نميز بين الجيد و السيئ و بين الخير و الشر و بين من يبني و من يهدم. ليس فينا الآن من لا يدمر هذا البلد بيده على طريقته إما بسبب التحكم  أو بسبب الرفض أو بسبب الانتقام أو بسبب الانتهازية أو بسبب الأنانية و كلها شرور إن لم تكن بالأسباب و الدوافع فبالنتيجة.
و يخطي من يعتقد أن موريتانيا يمكن أن تستمر بعد اليوم في هذه الفوضى المفتوحة و هذه الاستباحة المطلقة . و يخطئ أكثر من يعتقد أنه يمكن أن يدخل عهد إصلاح من دون معاقبة أباطرة عهد الفساد المتحكمين اليوم بأموالهم الضخمة في اقتصاد البلد و سياسته و سلطته.
إن موريتانيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما :
ـ إما أن يظل الرئيس في زوبعة تجاذبات ماكرة لا حل لعقدها حتى تأتي لحظة نهايته الحتمية لترمي به في السجن أو تتركه في الشارع كالكلب الأجرب يرميه كل من يمر قربه بحجر مثل جميع الرؤساء الموريتانيين السابقين بدون استثناء . و لأن موريتانيا لم تعد تتحمل مزيدا من الفوضى و لأن المناخ الدولي أصبح يفرض منطقا آخر لا يمكن السير عكس تياره؛ ستكون النتيجة الحتمية ـ إذا استمر النظام في نهج الفوضى المحمية ـ هي تفجير الوضع الداخلي في البلد بكل متناقضاته ليكون النظام و أصحاب الأموال الضخمة و المافيا السياسية التي تعيش على ظهر الشعب بالأباطيل و الأوهام، هم أكثر الخاسرين . و ستكون التحديات أمام موريتانيا للخروج من تلك الكبوة في منتهى الصعوبة لا شك، لكنها ستخرجها من دون أي من الأطراف الثلاثة لا محالة و هو مكسب ـ مهما كانت الخسارة ـ لا يمكن تقديره بثمن.
ـ الخيار الثاني أمام النظام ينظلق من تشخيص بسيط : منذ وجود هذا الشعب في إطار ما يسمى بالدولة و السياسيون يصرخون؛ أحزبا و تنظيمات سرية و كتلا سياسية، و لم يزعجوا يوما أضعف نظام عرفه البلد . إن الغضب الذي يخشاه النظام اليوم هو غضب الشعب و على النظام أن يدرك أن المعارضة لا تمثله و لا تمثل غير نفسها في هذه اللعبة . دعوها تطرح شروط الحل كما تريده  لتروا من خلال عريضتها  أن الشعب لا يمثل في أجندتها غير وسيلة للضغط على النظام من أجل الحصول على مكاسب غير مستحقة. و تعلم مخابرات البلد التمويلات الخارجية التي تحصل عليها الأحزاب و تعلم ما تحصل عليه من تحت طاولة النظام و تستطيع بسهولة إسكاتها إلى الأبد إذا كان النظام جادا  في إصلاح يعتد أجندة جريئة و واضحة تصنف هذه المعارضة المافيوية كأحد أهم عوامل تعطيل التنمية الاقتصادية المرتبطة عضويا باستقرار سياسي لا تتم التنمية بتلبية مطالبه الأنانية و لا يتم الاستقرار برفضها. لكن مواجهة “المعارضة” المدججة بعيوب النظام، بهذا القرار الجريئ لا يمكن أن يفعلها من يحمي هذا التاجر و يغطي على ذلك المفسد و يغض البصر عن تلاعب الأغلبية بمصالح البلد : إن هذه الأنظمة  المريضة هي التي تصنع أسباب رفضها و تحرض على الوقوف في وجهها بما ترتكبه من تجاوزات كانت في غنى عنها، لا يمكن لمن يرتكبها و يحميها أن يتهم أسوأ الناس حتى لو كان وجهه من فلاذ !؟
و إذا كان من يغض البصر عن الفساد يساهم في تحكم الظلم فإن من يحاربه بانتقائية يساهم في تشويه وجه العدالة.
لقد دمر ولد عبد العزيز اقتصاد البلد حين أفزع المفسدين من دون أن يوجه لهم أي ضربة فهربوا ممتلكاتهم إلى الخارج و تركوا البلاد خاوية على عروشها و هي جريمة أخرى يرتكبونها في حق هذا الوطن الذي نهبوا خيراته دون وجه حق و أذلوا أهله، بتكديس هذه الثروات الوطنية الهائلة في البنوك في الخارج دونما وخز من شعور بأي حد من المسؤولية.
ـ سيكشف هذا التحقيق عن مستوى الاستباحة الذي وصلت إليه الأمور في عهد الشيطان الرجيم معاوية لكنه يؤكد أن وجود الفاعلين اليوم خارج القضبان ، لا يمكن أن يعني سوى استمرار ذلك النهج بطرق أخرى تتحاشى النبش في المستور تفاديا لفتح باب تخشى أن لا تعرف كيف تغلقه!؟
و إذا كان النظام عاجزا عن مواجهة ثلة من المفسدين الجبناء فلا شك أن عجزه عن مواجهة شعب جائع لم يعد لدى أي منه ما يخسره، ستكون أكثر تأكيدا و حتمية.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى