لم يترك لي الحق صاحبا

من كواليس الجمعية العامة للأمم المتحدة / سيدي علي بلعمش

ترنح ولد عبد العزيز ، بعد نتائج الاستفتاء بدا واضحا على كل الأصعدة : الحصار الداخلي و الخارجي للعصابة و إفلاس الدولة و سد أبواب المديونية في وجهها ، ترافقه حالة توجس تكبر مع الوقت، من المؤسسة العسكرية، عكستها بوضوح التحويلات الأخيرة الواسعة لقادة الولايات العسكرية و الوحدات العسكرية و التي كانت منتظرة و متوقعة منذ ظهور نتائج الاستفتاء العبثي و بصفة خاصة النتائج الكارثية لشقها العسكري رغم ما سبقها من تهديد و تحذير و تخويف مما جعل قيادات الاركان تعتقد أن القيادات الميدانية كانت من وراء ما حدث . لقد بلغت العصابة من الإفلاس و الكذب و الاستخفاف بعقول الناس إلى حد ادعاء وزير ماليتها بأن البنك الدولي أقرضهم عشر مليارات ، فمنذ متى كان البنك الدولي يقدم قروضا للدول؟
و إذا كان البنك الدولي يقدم ضمانات لا قروضا فأي بلد سيقدم لكم هذا المبلغ ؟ إلى أي جهة يمكن أن تلتفتوا اليوم للحصول عليه؟
موريتانيا هذه الأيام ـ زيادة على موجة الجفاف و سوء العلاقات مع دول الجوار التي كانت تلجأ إليها المواشي في مثل هذه الحالات ـ لا تملك 10% من ميزانيتها المزعومة و ليس أمامها أي حل بعد بلوغ المديونية حدها النهائي الذي تكلمت عنه كل جهات الاختصاص. و حين تقدم لهم البنك الدولي ضمانا لمثل هذا المبلغ الزهيد في الحقيقة، فهذا يعني أنها فهمت أنهم لا يفهمون فأرادت أن تسخر منهم أو أن تقدم لهم درسا على طريقتها الخاصة.

بعد رفض فرنسا دعوة ولد عبد العزيز لحضور القمة الأورو ـ إفريقية حول الهجرة السرية (و للتذكير فقط ، فإن موريتانيا من أكثر الدول الإفريقية المعنية بالموضوع) و محاولته الالتفاف على الحقيقة من خلال استجداء إدريس ديبي ليدعوه لحضور طاولته المستديرة للمانحين ، في محاولة منه لكسر حاجز الصمت مع فرنسا من خلال إعلان استعداده لإلغاء نتائج الاستفتاء (الفضيحة التي أفقدته ثقة العالم أجمع و التي يوقف نتفيذ مخرجاتها حتى الآن بحثا عن من يشتري إلغاءها بالمساعدة في إعادة ثقة العالم (الغربي) في “نظامه” المتآكل من الداخل و المحاصر من الخارج ) و بعد أن عملت فرنسا على تهميشه على مستوى مجموعة “ج 5 الساحل” حيث أعطت القيادة لمالي و المخازن و الثكنات لبوركينافاسو و التنسيق للنيجر و الاستخبارات العسكرية لتشاد و لم تقبل فرنسا أن تمنح موريتانيا أي دور في المجموعة لأن ولد عبد العزيز فاقد الثقة على كل المستويات، تلقى ولد عبد العزيز صفعة أقوى في أمريكا حين رفض الرئيس الأمريكي دعوته لحضور حفل الغداء الذي دعا له الرؤساء الأفارقة و قدم فيه خطابه الموجه إلى القارة و رسالته الواضحة إلى قادتها المتغطرسين بأن عليهم أن يغيروا تفكيرهم و ألاعيبهم الماكرة لتفادي الاصطدام بأمريكا الرافضة لتغيير الدساتير لصالح الحكام و الرافضة أكثر لأي مأمورية ثالثة في القارة حتى لو كان يجيزها الدستور ..

لقد وجه الرئيس الأمريكي إهانات بالغة إلى الدكتاتوريات الإفريقية و رفض دعوتهم في حين دعا الرؤساء الديمقراطيين في القارة بأسمائهم و أسماء دولهم. و يخطئ من يعتقد أن الأمر يرتبط بمزاجية ترامب ؛ إن مكتب تشريفات الامم المتحدة بالتنسيق مع السفارة الامريكية في الامم المتحدة بنيويورك هو من يملأ استمارة كل بلد و يحدد رئيس الوفد حسب أكبر رتبة فيه و من ينبغي أن يقدم كلمته: و هذا يعني أن ما قالته “جون آفريك” عن سبب تقديم وزير الخارجية كلمة ولد عبد العزيز العائد ـ حسب ادعائهم إلى أخطاء السفير ـ كان تبريرا مختلقا لا أساس له من الصحة ، يسأل المحامي جمال ولد الطالب عن فبركته بكل تأكيد، نظرا لعلاقاته بالمؤسسة.
هذا في ما يخص عدم تقديم خطابه على منصة الأمم المتحدة ، أما سبب عدم دعوته لحفل الرئيس الأمريكي فيعود هو الآخر إلى استمارة اللجان المتخصصة في الخارجية الأمريكية و التي تتعدد و تتنوع مآخذها على موريتانيا :
ـ عند انتهاء الأعمال في السفارة الأمريكية الجديدة ، شكلت الحكومة الموريتانية لجنة لتدخل مقر السفارة و تباشر كل شيء فيه و تسمح بتنقل السفارة القديمة إليها . لكن السفارة الأمريكية رفضت دخول اللجنة إلى مقرها الجديد باعتبار أنه أراض أمريكية ، تحتوي أسرارا أمنية لا ينبغي للجنة الاطلاع عليها …
و كان من ضمن الإجراءات المباشرة التي اتخذتها الولايات المتحدة ردا على هذا الموقف، تحويل قسم التأشيرات في سفارتهم في نواكشوط إلى داكار. و منع مصور الوفد من الحصول على تأشيرة بدعوى أنه خارج النظام الرسمي ، فتم ترسيمه لكن رفض السفارة كان لا رجعة فيه. (و قد تراجعت موريتانيا عن كل ذلك و فتحت السفارة من دون أن يدخلوها ، بعد مرور وزير الخارجية الأمريكي بموريتانيا في الأسابيع الماضية)

ـ وقف الدعم المادي و المعنوي في عدة مجالات من بينها حقوق الإنسان و العبودية ..
لكن اتخاذها لهذه القرارات جعلت له أمريكا خلفية لم تكن متوقعة من النظام :
ـ تحقيق مفتوح في المحاكم الأمريكية في قضية تازيازت تتهم فيه قمة النظام (لا بد أن يأخذ مجراه القضائي)
ـ موريتانيا في عهد هذا النظام ارتفع فيها مستوى الحديث عن العبودية (و هي ليست اولوية عند ترامب لكنها مهمة جدا عند لجان تحضير ملف موريتانيا في القارة..)

ـ تسجيلات صوتية مؤكدة نسبتها الي ولد عبد العزيز ( آكرا غيت) تم الحديث فيها عن تزوير عملات قد يكون من بيتها الدولار الأمريكي .
ـ الحصول على وثائق بعد اقتحام ملجأ ابن لادن و قتله، تثبت إبرام اتفاقية (هدنة) بين ولد عبد العزيز و القاعدة.
ـ سجن برلمانيين من أغلبيته و وضع بعضهم تحت الرقابة القانونية مع نقابيين و صحافة بسبب تصويتهم ضد التعديلات الدستورية و هو حق يمنحه لهم الدستور و القانون..\

ـ التزوير الفاضح الذي شهد عليه العالم أجمع لنتائج الاستفتاء الأخير (لم يأت لولد عبد العزيز تأييد واحد من العالم أجمع على نجاح استفتائه في سابقة لم تعرفها أي دولة ؛ لا من حليف و لا من صديق و لا من متطفل)

ـ نظام ولد عبد العزيز يعيش في عزلة داخلية و إقليمية و دولية ..

ـ اغلبيته (مجلس الشيوخ) أصبحت ضده و معارضته في ارتفاع

ـ طرد الحقوقيين الأمريكيين

كان ولد عبد العزيز غبيا بحضوره إلى أمريكا : لقد قطع مسافة أطول رحلة في العالم و ذهب بولد انويقظ ليدفع تكاليف الوفد (لأن الأمم المتحدة لا تتولى تكاليف الوفود الأممية بطبيعة الحال) ، ليعود من دون أن يلقي كلمة أمام رؤساء العالم كما الجميع و من دون أن يعقد لقاءات جانبية على هامش قمة يحضرها كل قادة العالم و من دون أن يدعى مع الرؤساء الأفارقة لحضور لقاء الرئيس الأمريكي و خطابه الموجه إلى زعماء القارة . حتى أعضاء الجالية الذين تظاهروا أمام الجمعية العامة و أمام مقر إقامته رفضوا اللقاء مع عزيز ، حين طلبه منهم و قالوا له بوضوح “نحن نتظاهر هنا اليوم احتجاجا على ما قمت به و تقوم به هناك في موريتانيا و لا معنى للقائنا معك .. عليك أن ترجع إلى موريتانيا لإصلاح ما أفسدت و حينها فقط، لن ترى لافتات احتجاجنا أمام مقر إقامتك”.
و هي مناسبة أتوجه فيها هنا إلى جاليتنا العظيمة في أمريكا لأشيد بما قامت به و تقوم به باستمرار من جهود كبيرة و هامة و مؤثرة لفضح جرائم هذه العصابة الحقيرة التي نهبت بلادنا و أذلت شعبنا و دمرت قواعد اقتصادنا و أساءت إلى سمعة بلادنا في كل محافل العالم. حتى الرؤساء الأفارقة كانوا لا يرغبون في وجود ولد عبد العزيز و يتحاشون لقاءه في الممرات و يتذمرون من أكاذيبه بل يتندرون بولعه بإلقاء الدروس على الناس. و لا شك أن تحديدهم لتاريخ القمة الأوروبية ـ الإفريقية يوم 29 نوفمبر القادم أي بيوم واحد بعد عيد الاستقلال ، لم يكن بريئا في محاولة عدم حضور عزيز لها.

و لأنه نظام ساذج و خالي من العقول السياسية و الثقافية ، يجندون اليوم كل ببغاواتهم للتهجم على المعارضة في الخارج ليحملوها كل مآسي البلد ، كأن دور المعارضة في الداخل أو الخارج هو تلميع وجه عصابة فاشلة تلفظ أنفاسها الأخيرة ..!

لعل اللقاء الأهم الذي أحرزه ولد عبد العزيز خلال هذه الرحلة الطويلة المليئة بالإحراج ، كان مع السيدة فاتو بنسودا المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة. و نلاحظ أن لقاءات بنسودا على هامش القمة، كانت “خاصة” مع عدد من الرؤساء تتم في بلادهم تجاوزات قانونية مثل إدريس ديبي ، ولد عبد العزيز و ساسو انغيسو. و بعد لقائها بولد عبد العزيز أعربت في تصريح للصحافة، عن امتنانها لتعاون ولد عبد العزيز مع المحكمة الدولية : فعن أي تعاون و حول ماذا تتكلم فاتو بنسودا؟

لقد كان ولد عبد العزيز تحت ضغط نفسي رهيب لا يتحمل مزيدا من الصدمات بعد ما حدث له في فرنسا و ما قابلته به أمريكا من عدم ترحيب و رفضها طرد المتظاهرين من أمام مقر إقامته و بعد طرد نظيره و شبيهه ساسو انغيسو من على منصة الأمم المتحدة و رفض تقديم خطابه . و لم يكن هذا حال ولد عبد العزيز وحده بل كان حال كل دكتاتوري إفريقي حضر الجمعية العامة 72 للأمم المتحدة. و لا يمكن للقضايا التي طرحتها فاتو بنسودا على ولد عبد العزيز و شكرته على تعهده بالتعاون في مجالها أن تخرج عن الأمور التالية :

ـ ملف الإرث الإنساني (87 ـ 89 ـ 91 ـ 92 ) (و هو ملف في عمق اهتمام و اختصاص بنسودا، زيادة على صراخ أصحابه المدعوم من جل الحركات الحقوقية في العالم بسبب انهماك النظام في أكل المال العام و استهتاره بما سواه)
ـ ملف العبودية (و هو ملف للاستهلاك السياسي عند الغربيين يستمد قيمته من طبيعة البلد لا من أهمية القضية عندهم)
ـ ملف ولد امخيطير (و هي قضية بالغة الأهمية عند المجتمع الغربي لأنها ترتبط بالإسلام في بلد عربي)
ـ ملف تجارة و تهريب المخدرات و الأسلحة في المنطقة (وقد زارت بنسودا المنطقة بعد حوالي أسبوع من انتهاء القمة حول الملف الأخير، من دون أن تمر بموريتانيا)
فعن أي هذه الملفات تحدثت بنسودا مع ولد عبد العزيز و في أيها يستطيع تقديم أي تعهد إلى درجة الثناء على تعاونه؟ و لماذا استثنته من زيارتها للمنطقة لمتابعة ما تعهد لها به ، إذا لم يكن ما طلبت منه ملفا ضخما يحتاج وقتا أطول لتحضيره و / او تهيئة الشعب لتقبله؟
لقد نالت فاتو بنسودا (حقوقية غامبية متزوجة من رجل أعمال مغربي) شهرتها بعد تعيينا مستشارة قانونية في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا و التي كان مقرها في مدينة أروشا التانزانية وهي محكمة تولت قضية متعلقة بأكثر الصراعات العرقية دموية في القرن العشرين بالقارة السمراء. و عرفت بنسودا بتشددها في العمل على عدم إفلات الطغاة من العقوبة كما توعدت بذلك في خطاب تسلم مهامها في 15 يونيو 2012 : ألا نكون هنا أمام علامات استفهام محرجة؟

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى