تقارير

وقائع محاكمة الناشط “الفبرايري” الشيخ باي

بعد طول انتظار كانت محاكمة الناشط الشبابي الشيخ باي.. وحضر مجموعة من الرفاق و المناصرين و الصحافة، وهيئة الدفاع عن “المتهم”، وقد تكبد هؤلاء عناء السفر لمؤازرة الشاب “الفبرايري” الذي يحاكم على حركته الاحتجاجية على “أكاذيب المتحدث الرسمي باسم الحكومة”.. حضروا شهودا على القضاء وتعاطيه في فصل جديد مع طريقة احتجاجه.

بدأت الجلسة في حدود الثانية عشرة منتصف اليوم، و استدعي أصحاب الملفات الأربعة عشر المبرمجين في جلسة اليوم، و كان الشيخ باي آخرهم في حدود الثانية والنصف.

دخل الشيخ باي مبتسما، ملوحا بقبضته لجماهير القاعة التي غصت بالحاضرين، تلك التلويحة “التي تشير إلى تمسكه بمثله وخطه النضالي السلمي”. حسب  أحد رفاقه.

شرع رئيس المحكمة في استجواب الشيخ باي: عن اسمه واسم أبيه وأمه وسنه وأين ولد ومستواه التعليمي.. إلخ.
ثم سأله عن حقيقة الوقائع المنسوبة إليه، وهل يعترف باعتدائه المادي على موظف عمومي وإهانة السلطة العمومية.
فأجابه الشيخ باي بأنه لا يعترف بذلك ولا يقر به.

عندها سأله القاضي: ماذا فعلت إذن؟ ألم ترم الوزير بالحذاء كما قلت في المحاضر؟ فأجاب الشيخ: رميت الحذاء تجاه الوزير، ولم يكن قصدي أذيته، بل تعمدت ألا يصيبه الحذاء في الوقت الذي كان بإمكاني ذلك لو استهدفت الاعتداء عليه وإلحاق الضرر به. وما قمت به لا يعدو كونه تعبيرا عن احتجاج حضاري سلمي يحدث في كل أنحاء العالم. . قال اشيخ باي

عندها سأله القاضي: قل لنا أين حدث ذلك؟

استطرد الشيخ باي: منذ 1960 والاحتجاج بالحذاء تعبير شائع حيث احتج خرونشوف سكرتير الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي في مجلس الأمن بواسطة حذائه على كلمة رئيس الوزراء الفلبيني الذي طالب بفصل دول أوروبا الشرقية عن الاتحاد السوفياتي..

القاضي: ولكن هل مرت تلك الاحتجاجات دون عقوبات؟

الشيخ باي: أغلبها كذلك ففي 2009 وفي اسبانيا تم رشق رئيس الوزراء التركي بحذاء…

القاضي (مقاطعا) : طيب، هل ستعتذر عن الاعتداء الذي قمت به؟

الشيخ باي: كلا، لم أقم بأي اعتداء يستوجب الاعتذار كما سبق وأن وضحت..

القاضي: ولكن ألا ترى أن رميك للحذاء إهانة لوزير على الأقل ينبغي الاعتذار عنها؟  لست نادما على ذلك؟

الشيخ باي: سيدي القاضي، لا يمكنني الاعتذار عن شيء لم أفعله، أو على الأقل لا أرى أنه كذلك.

القاضي: يمكنك الاعتذار والندم حتى تساعدنا في الإفراج عنك وتصديق نواياك (حول عدم الاعتداء).

الشيخ باي: ليس هناك ما يستوجب، وسأظل أعبر دائما بالطرق الحضارية عن رأيي..

القاضي: ولكن الاعتذار لا يضير..

الشيخ باي: ليس هناك شيء، وأنا أعتذر عما يمكن أن تعتبره محكمتكم كذلك. إن ما قمت به حسب قناعتي احتجاج سلمي وتعبير عن رأيي ولا يتوجب الاعتذار.

أعطى القاضي للنائب العام فرصة طرح الأسئلة  على الشيخ باي، ولكنه بدأ يترافع، وهنا استوقفه الأستاذ المحامي ابراهيم ولد أبتي متسائلا: هل النيابة هي المستأنفة أم الدفاع؟

فيحاول المدعي العام مواصلة مرافعته، عندها قاطعه ذ/ ابراهيم ولد أبتي قائلا: إذا كان الدفاع هو المستأنف على المحكمة أن تستمع للدفاع وهو من سيبدأ المرافعة، فهذا ما تقول النصوص الإجرائية ويجب احترامها.

أمنت هيئة المحكمة والنيابة العامة على ما قال المحامي ابراهيم ولد أبتي فبدأ المحامي العيد ولد محمدن مرافعته التي تلخصت في:

“نحن أمام ملف اصطنع وركبت جزئياته، فالقضية – مثلما تفضل الشيخ باي الذي أفادنا وأنار محكمتكم – تضعنا أمام تعبير رمزي معترف به عالميا، فلم يكن موكلي يقصد الاعتداء المادي، و لو أراد ذلك لجلب حجرا، وقد كان في موقع يسمح له بتنفيذ اعتدائه.

عندما يقول الحكم القضائي بأن الشيخ باي (لم يكن” مقنعا) فنحن أمام محكمة لا تبحث عن الموازنة بين الأدلة والقرائن، وعندما يصف حكم فعلة الشيخ باي بأنها (شنيعة) فإننا أمام قواميس ليست قضائية وتبدو لغة سياسية وأفلام الرعب.

القضية ضخمت، فنحن نتذكر جميعا مطالب النيابة العامة بالتخفيف، وانتهت المحاكمة، وذهبت المحكمة للمداولات، لنجد أن النيابة العامة  دست طلبات جديدة مخالفة لطلباتها الأولى مما جعلنا نشكك في الحكم حيث أنه لم يحترم مبدأ الحضورية، وبدا كأنه (أمر أبرم بليل).

الحكم جاء مشددا، فالمشرع أعطى للقاضي في هذه التهمة ـ التي لا تثبت من وجهة نظرنا على موكلنا ـ  التقدير بين ثلاثة أشهر و3 سنوات، وباعتبار ظروف التخفيف كان ينبغي الحكم بأخف العقوبات، وهي متوفرة، فسن المتهم حديثة، وأي مصلحة للدولة في سجن شاب لم يتعمد الأذى وليس من أصحاب السوابق؟!

لماذا ـ إذن ـ يحكم على هذا الشاب بأقصى عقوبة؟!

إنني أستغرب من المسار الذي سلكته هذه القضية (استعرض الأستاذ المسطرة: التحفظ على المتهم، تكييف القضية على أنها حالة تلبس ـ وهو ما لا يفعل عادة إلا في الجرائم الخطيرة، المحاكمة العاجلة، التحويل إلى ألاك…الخ.)”.

لقد نبهني أحد الزملاء إلى حادثة صفع رئيس الوزراء الفرنسي السابق من طرف شاب في مثل سن الشيخ باي، أتعرفون بم حكم القضاء عليه؟ بثلاثة أشهر موقوفة، والنيابة قالت بأن تصرفه تحت تأثير مُثُلٍ ومبادئ، وتلك المثل والمبادئ وهي ذاتها المثل التي يؤمن بها الشيخ باي، هي نفس المثل التي تربون ـ سيادة الرئيس والسادة المستشارين ـ أبناءكم عليها.

بعد ذلك، أخذ الأستاذ ابراهيم لد أبتي يترافع قائلا:

“سأبين كيف اكتشف الدفاع أن الحكم باطل، وأنه فاقد للشرعية:

لقد طالبت النيابة بأخف عقوبة، فركز الدفاع على:
1. أنه لا يوجد طرف مدني في القضية.
2. عدم تعمد الإصابة.
3. سن الشيخ باي.
وطالب بالبراءة.

وضعت القضية في المداولات، وكنا ننتظر صدور الحكم، فإذا برئيس المحكمة يحكم بأقصى عقوبة: (3 سنوات،  20 ألف غرامة، 360 ألف مصاريف المحكمة)!

استغربنا، وسارعت من أجل استئناف الحكم، وطلبت التمكين من نص الحكم لأطلب حرية مؤقتة لموكلي فرفض رئيس المحكمة طلبي، فحررت طلبا لأحصل على نص الحكم، وكان الوقت ضيقا يوم الجمعة الساعة العاشرة وأودعت الطلب، في عطلة الأسبوع اتصل علي رئيس المحكمة ليخبرني بأنه سوف يستجيب لطلبي، فشكرا له لأنه مكنني من نص الحكم الذي اكتشفت فيه ما تحدث عنه زميلي.

لقد ورد في الحكم أن النيابة طالبت بتنزيل العقوبة، ثم جاء الدفاع وطالب بالبراءة، فماذا فعل القاضي؟!

لقد انزعجت مما اكتشفت.. (ثم قرأ من نص الحكم) “وفي نهاية المرافعات أعذرت المحكمة المتهم فطلب البراءة” لم يعد بإمكان أي شخص الاتصال بالمحكمة لأن القضية في المداولات.

ثم بدأ يقرأ من نص الحكم “وأثناء تأمل المحكمة وردت مذكرة كتابية من النيابة العامة تطالب فيها…” وهو ما يعني أن أوامر صدرت للنيابة من الوزير أو من هو فوقه.

إن ما حصل هو خرق خطير وعدم احترام للقضاء وعدم احترام للمبادئ الجوهرية التي نعمل عليها، فكيف يمكن لقاض أن يحكم بطلب مقدم في الخفاء؟!! لأن المحكمة حكمت بغياب المتهم ودفاعه وحضور الجمهور. وطيلة 35 عاما من المحاماة لم أواجه خرقا مثل هذا..!”

طلب القاضي هنا من المحامي الاختصار، ثم تابع قائلا:

“تقدمت بعريضة استئناف، ولكن قدمت أيضا عريضة حرية مؤقتة فاحتجزتهما النيابة العامة..

(القاضي يطلب الاختصار مرة أخرى) فيرد ذ/ أبتي: “اسمحوا لي، أنا متألم”

ثم يواصل: “..ثم تم ترحيله إلى ألاك، وتم رفض عريضة قدمتها للمحكمة العليا أوضح فيها عدم قانونية الترحيل، ثم تم رفض طلب الحرية المؤقتة الذي قدمته لاستئنافية ألاك!

أين دولة القانون في هذا؟!

كنت قد حضرت حادثة رمي طالب موريتاني هنا للرئيس سينغور في 1971 ومن بعده آخر رمى الرئيس بومبيدو في 1972 ولم يتابع قضائيا أي منهما، ورئيس الوزراء المرشح للرئاسة قبل شهر تعرض لرش بالدقيق (Farine)  قبل أن يتعرض الأسبوع الماضي لصفعة من شاب آخر و كان حكم المحكمة عليه بـ 105 من الساعات في خدمة الصالح العام.

لقد اعتمد القاضي على المادة 212 التي تحصر العقوبات بين شهر وثلاث سنوات، فلماذا الهرولة نحو أعلى سقف؟!
لا تقتلوا شبابنا..!

دعوا مضغة حية في شبابنا..!

اتركوا شبابنا حرا..!

القاضي الجالس هو حامي الحريات الفردية والجماعية، ولا يقبل منه أن يخطئ، فكونوا شهود عدل لا شهود تزوير وخنوع.

دعوا شبابنا حيا.. !

على النيابة العامة أن تعي ذلك حتى وإن كانت مأمورة.

نطلب منكم أن تكونوا أحرارا..!”

بدأت النيابة العامة تترافع من خلال المدعي العام لدى المحكمة فقال:

“نعتبر أن فعل المتهم  ـ رغم ما قيل ـ تضمن الإهانة، فهو بحسب ما هو مسجل في المحاضر يصف الوزير بـ (ول اجنبه) وتعرفون دلالة ذلك عند بني حسان.

والتعبير البناء هو المطلوب، والشباب الواعي عليه أن يعتمد هذا النوع من التعبير، فالله سبحانه وتعالى يقول: ولقد كرمنا ني آدم، ويقول أيضا: ولا يغتب بعضكم بعضا..

وبناء على أن ما قام به المتهم مجرم شريعة وقانونا نطلب تثبيت العقوبة عليه”.

بعد انتهاء مرافعة النيابة الموجزة رفع رئيس المحكمة الجلسة محددا الثلاثاء القادم 31 يناير موعدا للنطق بالحكم في الملف.

الاكثر قراءة

لأعلى