بالهمس

يوم الجمعة في التاريخ الموريتاني: مساهمة في الجدل بخصوص يوم الجمعة/ أبو العباس ابرهام

 

سيكون يوم الجمعة القادم في موريتانيا آخر عطلة أسبوعية رسمية ليوم الجمعة بعد قرار الحكومة إلغاء العمل ببطالة الجمعة والعودة إلى نظام العمل ببطالة السبت والأحد (وذلك لأسباب عولمية واقتصادية حسب مبررات الحكومة). لقد أثار هذا القرار نقاشاً وطنياً رفض فيه مدونون ومثقفون، بل وحتى مؤرخون، هذا القرار باعتباره استغراباً واستلاباً ثقافياً وقراراً كفرياً وحَيْداً عن إرث هوياتي. ولاشك أن هنالك أوجهاً كثيرة للامتعاض من القرار ليس أقلُّها أسلوب الحكومة الأبوي، غير التشاوري، في اتخاذ القرارات، إضافة إلى بعض الأسباب الثقافية المتعلِّقة بوضع الجمعة، ليس في الجوهر الديني بل في المخيال الحداثي للمسلمين. ولكن ما أود المساهمة به هنا، ومن منظور تأريخي محض، هو أن مفهوم عطالة الجمعة نفسه هو مفهوم استغرابي و”استلابي” ولا إرث له في الإسلام ما قبل الحداثي وخصوصاً في التاريخ الصحراوي وأن الناقمين على تغرُّب الحكومة كانوا يُعبِّرون، بمعنىً ما، عن مدى تعمُّق الفعل الغربي في الحضارة الإسلامية لا عن استقلاله التام عنها.

2

السؤال الذي يجب أن يُجيب عليه المؤرخ ليس كيف انتهكت الحكومة قداسة الجمعة، بل كيف أصبح يوم الجمعة يوماً مقدساً تتعلًّقُ قداسته بإيقاف العمل فيه، أو حتى كيف أصبح يوماً خاصاً: وهنا لا نقصد بالخصوصية خصوصية التعبد والصلاة الجامعة، بل كيف انتقلت الخصوصية العباداتية إلى خصوصية شُغلية أو بطالية. فهذ الانتقال ليس بديهياً كما تتصوّر الذات الحداثية التي تعتقد أن عطلة الأسبوع نظام حياتي طبيعي وأصولي. ويسوغ لي هنا القول إن الإسلام ما قبل الحداثي لم يعرف في معظم قرونه وجلّ تنزيلاته المفهوم البطالي (أي مفهوم العطلة الأسبوعية) للجمعة أو غير الجمعة (وإن أعطى التاريخ الإسلامي في ظروف خاصة، جغرافية وتثاقفية، خصوصيات بطالية لأيام غير الجمعة). ويبدو لي أن مفهوم عطالة الجمعة نشأ في إطار تلاقح الثقافة الإسلامية مع الرأسمالية الغربية. أوّد هنا التوّسع في هذا التصور، بالتركيز على تطور معاني يوم الجمعة في الحياة الثقافية في الصحراء الغربية الصحراوية، مع العطف، استئناساً ومقارنةً، لا إسقاطاً ومجانسة، على نواحٍ من التجربة المغاربية والمشرقية.

3

وإذا اتفقنا أن البطالة الأسبوعية هي مفهوم مدني أتى به عصر تقسيم العمل ونظام الأجور أو السوق، فإن نمط حياة المدانة في التاريخ الموريتاني لا يُحيلنا إلى مدن مكتملة (مع حذر المؤرخين ما بعد الحداثيين من استخدام توصفات عدم الاكتمال لما فيها من مركزية أوروبية). وما يُحيل إليه التاريخ الصحراوي هو مدن هجينة (تعيش على تربية القطاع جنباً إلى جنب الحياة المدنية التجارية). وهذه المدن هي التي انتصرت في القرون الوسطى الموريتانية حيث ظهرت في شكل “تاكّرارت” و”كصور” أو في شكل استراحات فندقية قروسطية على المسالك القوافلية، هو نموذج المدن الصنهاجية، المتمركزة على نواة محاربة وحصن مركزي أو على عقدة تجارية واستراحية. وسيفسح هذا الحصن، كما نجده في مدينة أزوكّي، المجال للمسجد المركزي. هل يتعلّق الأمر بانتهاء حالة الحرب لصالح حالة الدين والتجارة؟ ربما. ولكن هذه المدن، الصغيرة والهجينة، لم تكن قادرة على توفير تقسيم عمل حسب أيام الأسبوع، بسبب تقارب المساحة فيها أو بسبب تقسيم العمل فيها فئوياً مما يُحيل العمل إلى وظيفة حياتية متعلِّقة باقتصاد المعاش subsistence economy لا إلى سوق ترابحي تنافسي.  

وليس معنى هذا أن الأيام كانت تفقد معناها الوظيفي في حياة الصحراء. فالحقيقة أن ثقافة بربر الصحراء وعربهم كانت تٌقنِّنُ الأيام بشكل ثقافي عجيب. لذا نجد فيها  خصوصية للأيام قبل ميلاد نظام السوق؛ ولكنها كانت خصوصية ثقافية، وإن كانت مُعادية أحيانا للشغل. فعندما وقع دي بيرسون في أسر البيضان شمال غرب موريتانيا الحالية في 1785 فإنه لاحظ أن أولاد تيدرارين، الذين كانوا قبيلة واسعة في مسارح الشمال قبل الحرب الأهلية في أواخر القرن التاسع عشر التي دفعتهم إلى الجنوب المغربي، كانوا يوقفون أنشطة معينة كسقي أنعامهم يوم الجمعة مما كان يعرٍّضٌ قطعانهم لخطر العطش الشديد. وهذه حالة امتناع طقوسي على أساس سيمانطيقةِ الأيام. وبطبيعة الحال فإنه لا يمكننا تعميم هذا الاعتبار بعينه على بقية القبائل البيضانية في القرن الثامن عشر؛ غير أن الإخباريات الغربية اللاحقة وإرثنا من الفولكلور والأشعار يُعطينا أفكاراً أخرى عن عطالة/شغالة الجمعة؛ ففي جنوب الصحراء لم يكن البيضان يقومون بأعراسهم في يوم الجمعة لأن ليلة الخميس كانت ليلة الجن. وبطبيعة الحال فإن هذه الترسيمات الثقافية لم تكن تتعلَّقُ بخصوصية لأي يوم؛ فالناظر في تراث البيضان في القرن التاسع عشر يُلاحِظُ أنه كان لكل يوم خصوصية: مثلاً كان يُمنع السفر في يوم الاثنين والأربعاء؛ وكان يُنهى عن الحلاقة في الأربعاء والخميس؛ ولم يكن مستحباً بناء الخيام في أيام معيَّنة، الخ. في هذه السيميائيات الطقوسية كان يوم الجمعة يوماً يُمارس وظيفته “السحرية” (بالمعنى الفيبري) الاعتيادية.

4

 في الشمال والغرب المغاربي في القرن السابع عشر كانت الحالة مختلفة قبل الاحتكاك الواسع مع الرأسمالية. ولكن ينبغي الحذر من استنتاج نمط مُتجانس وإطلاق الأحكام العامة. ففي طنجة مثلاً كان باب المدينة يُغلق منتصف يوم الجمعة حتى الساعة الثانية. وهذه الخصوصية لوقت الجمعة فُسِّرت في الفلكلور الطنجاوي بأنها عادة دأب عليها المسلمون منذ القرن الثاني عشر عندما اقتحم المايورقي، المحارب الإسباني، طنجة بينما كان المسلمون يُصَلُّون الجمعة. وبطبيعة الحال فإن بقية المدن المغاربية كانت مدناً تحترم أصلا الجمعة وتُبجِّلُه، ولكن بدون طقوس دفاعية كتلك التي عرفها أهل الثغور. وربما يفهم القارئ المعاصر- مع أن هذا ليس بدقيق- حالة نشاط السوق الإسلامي يوم الخميس باعتبارها حالة تقديس وخصوصية تتعلّقُ بالتحضير للجمعة. وهذا النوع من التفكير صحيح عن التراث اليهودي إذ كانت الأسواق اليهودية تنشطُ يوم الجمعة لأنه لم يكن من حق اليهود التسوق في يوم السبت فكانوا يُأمِّنون زادهم قبل يوم عُطلتهم. وبطبيعة الحال فإن الإسلام لم يخصص يوماً للعطالة، كما هو في التراث العبراني، وبالتالي فلم يكن هنالك معنى ثقافي إسلامي صرف لحشد الأسواق قبل يوم الجمعة.

 وإضافة إلى هذا فإن أسواق الجمعة كانت معروفة في المدن الإسلاميَّة والمغاربية عبر التاريخ. بعض أسواق الجمعة نمت وازدهرت بسبب التأثير اليهودي  كما كان حال ازدهار مدينة نجران في الجزيرة العربية، حسب ملاحظات الشهير جون فيلبي في القرن العشرين. غير أننا نٌلاحظُ حتى في القرن التاسع عشر أن يوم الجمعة، على أنه كان يوم أسواق، لم يكن يوم السوق الأهم. في مراكش لم يكن سوق الجمعة إلا سوقاً لبيع الخراف. أما في بعض أمصار الجزائر وتونس في القرن التاسع عشر فكان سوق الجمعة سوق الأثاث والخُلقان.

للمفارقة فإن اليوم الذي كان أكثر أهمية من غيره كان يوم الخميس. من أسطنبول حتى المغرب العربي كانت أسواق الخميس هي مركز الخصوصية الاقتصادية الإسلامية. في معظم المدن الإسلامية الوسيطة نجد “باب الخميس” معلماً دائماً حيثُ كان يُقام السوق الكبير خارج باب الخميس كل يوم خميس. ولن يظهر “باب الأحد” إلا لاحقاً في القرن العشرين وكترجمة ثقافية لباب الخميس ولن نُشاهده إلا في مدن أنشأتها الرأسمالية الغربية كالدار البيضاء مثلاً). وتٌشير مساجد الخميس في البحرين وساحات الخميس في ليبيا وتونس وأسواق الخميس ومزاداتها العلنية إلى نمط في الثقافة السوقية عبر طرق ومدن المسالك القوافلية.

 5

في المقابل لم يكن يوم الجمعة يوم عطالة قبل الحداثة، بل كان يوم سوق، مثله مثل بقية الأيام، التي تتخصّصُ في نمط تسويق بضائعي معين. ولكنه لم يكن يوم العمل الأساسي. فقط مع القرن الثامن عشر ستتغير وضعية الجمعة إلى يوم شغل أساسي. مع القرن التاسع عشر سيبدأ يوم الجمعة في التطور ليحلّ محل يوم الخميس باعتباره يوم السوق الرئيس. كيف حدثَ هذا؟ الحقيقة أنه لا يمكن تفسير هذا في منطقة الصحراء بدون النظر إلى تأثير الرأسمالية الغربية. ونقول بهذا الاستنتاج بالنظر إلى حياة الصحراء في القرن التاسع عشر فبينما أشارت مُلاحظات الرحالة إلى كسالة الجمعة في الحياة الييضانية قبل القرن التاسع عشر لأسباب ثقافية وطقوسية فإننا نُلاحظ الانتفاء التدريجي لهذه العطالة. ويبدو من مصادرنا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر أن يوم الجمعة تدرّجَ إلى أن صار أكثر أيام هذه المدن شُغلا بدل أن يكون يوماً للدعة والراحة.

السبب في هذا كان أن يوم الجمعة كان يوم السوق الكبير على الأقل في بعض (ومن المهم التبعيض لأن تعميم العادات الثقافية بصفة وطنية هو منتجٌ حداثي هو الآخر) مناطق التخوم مع جنوب المغرب أو ما وراء النهر. إن مصدرنا عن الحياة في القرن التاسع عشر في منطقة الساحل وأرض القبلة بخصوص الحياة يوم الجمعة هو لابورد سوغنيير، الذي كان أسيراً لدى البيضان في أواخر القرن الثامن عشر. ويبدو سوغنيير، القادم من حداثة “غير مكتملة”، مصدوماً من عمل البيضان واد نون والساقية  في يوم عيدهم الديني، الجمعة، وذلك- نفترض- بعكس اليهود والمسيحيين، العاملين بتعطيل الآحاد والأسبات.

يكتب سوغنيير: “للمنسلمين مساجد يجتمعون فيها يوم الجمعة. ورغم أن هذا يوم مخصص للعبادة إلا أن هذا لا يمنعهُم من العمل؛ إنه يوم سوقهم الرئيس حيث يحمل فيه سكان الأرياف وعرب الصحراء تجارتهم. وهنالك أمكنة عمومية لبيع البيضائع. ووحدهم هم من لهم الدكاكين هم من يضعون فيها تجارتهم.”

طبعاً نعرف أن “المنسلمين”، التي اقترح أنها مشتقة من الملثمين، هي الصفة التي عرف بها رحالة القرن قبيلة تكنة الصحراوية (انظر مثلا أعمال محمد حسن محمد، أهم دارسي قبيلة تكنة المعاصرين،، وصاحب كتاب صدر العام الماضي عن نفوذ أهل بيروك، العائلة الصحراوية الغنية في القرن التاسع عشر بفعل علاقاتها التجارية مع فرص الرأسمالية القادمة لتخوم الصحراء).

ومن المهم أن نلاحظ أن تدّين التكناويين يترافق مع ثرائهم الواسع في النصف الأخير من القرن التاسع عشر، حيث سيوصلهم نفوذهم إلى شنقيطي، التي ستصبح مركزا تراسلياً واستراحياً لتجارتهم. ولا ريب أن هنالك علاقة بين عملهم الدؤوب في الجمعة مع تدينهم، وليس غيابه، ولو أنّه من الصعب علينا أن نوّطد ذلك في هذه القصاصة. لقد قال ماركس يوماً في مسحة مرح  ضمني إنه يقول إن هنالك علاقة جدلية بين شيئين عندما لا يرى علاقة مباشرة، أو علاقة سببية، بينهما. وإذا جاز لنا أن نبحث عن العلاقة بين تدّين التكناويين واستغلالهم لجمعاتهم لوصلنا إلى نوع من التنظير الفيبري بخصوص الأثر الديني في ازدهار المجتمعات الورعة. غير أن هذا ليس ما نصبو إليه (ولا شك أن هنالك علاقة بين المجتمعات الزاوية وبين التجارة، بما يستأنِسُ بفيبر. وهابرماس نفسه أشار إلى الدور الورعي للأرباح المركنتالية) وما يهُمنا هنا أنه في وقت معين من الحداثة الصحراوية كانت الجمعات يوم إنهاك ومرابحة، لا يوم عطالة وكساد وليس من أي منظور لاديني.

6

ويجب أن لا نترك حيرة سوغنيير تجاه دناسة/شغالة الجمعة في الصحراء تُربكنا كثيراً فنعتقد أنها ناجمة من تباعد النظامين الثقافيين في الشرق والغرب. فالحقيقة أنه إضافة إلى أن الجمعة لم يكن ذا خصوصية عند المسلمين كخصوصية الأسبات والآحاد في التراث العبراني-المسيحي، فإن جزءً مما لاحظه سوغنيير كان يتعلَّقُ بتأثير المركنتالية الغربية الأولى في المراكز الإسلامية وإنتاجها، كما فعلت في أمكنة احتكاك البضائع مع المُرابحين، لثنائية العام والخاص. لقد تناول هابرماس بكثير من الإسهاب الظاهرة في التاريخ الغربي في إطار تقصيه لظهور المجال العام في الغرب. ففي مرحلة معينة من موت المجال العام في القدامة الأوربية على أنقاض العصور الوسطى الإقطاعية الغربية، التي قضت على تمفصل الخاص والعام، أمكن إعادة تخصيص مجال عام جديد في إطار تطور الرأسمالية وسماحها بمجال تجاري يرتاده الناس بمعزل عن علاقاتهم بالسيد الإقطاعي ويُرابحون فيه وفي المقابل يُرومنسون حياة المجال الخاص باعتبارها مجالاً للإنسانية. وما يهمنا من هذه العملية هو نقطتين: الأولى غير واردة في التصور الهابرماسي وتتعلّق بمولد  أو توّسع هذه الفضاءات ليس في مركز  الغرب، بل في مناطق احتكاك الغرب بالعالم الآخر (لقد درس كثير من المؤرخين نشوء النظام الغربي ليس في الغرب وإنما في تجارب التخوم واحتكاك الرأسمالية الأولى مع الثقافات المختلفة في الكاريبي والهند والشرق الأدني)؛ أما الثاني فهو أن هذه الفضاءات جدولت الأيام، هذه المرة حول خصوصيات سوقية، وليس في مجرد طقوس “سحرية” أو تعبدية كما في الإرث الكنسي.

7

لا يجد الرأي العام المعاصر غضاضة في وصم شغالة الجمعة التي توّطدت لاحقاً بأنها انتهاك للتديّن لأنه ترجم منطق الحداثة الكونية إلى بديهة دينية دون أن يدرك أن الأخيرة هي نتيجة الأولى. إن تاريخية التديُّن مهمة هنا. ومن المهم أن نُلاحظ، في إطار تغيّر مفاهيم التديُّن، التمييز الذي يقوم به سوغنيير بين “المنسلمين” وبقية القبائل السوسية أو الصحراوية، وهو أنهم متدينون جداً وأصحاب زوايا. وما لاحظه سوغنيير هو نفسه ما سيقوله بعد أكثر من قرن ويزيد هال كاين، الذي زار المغرب في نهاية القرن التاسع عشر. ويقول كاين إن:”…الجمعة هو يوم مقدس عند المسلمين ما بين الواحدة والثانية بعد الظهر. ويعود فيه البيضان، الذي أتوا لتأدية وضوئهم وصلاتهم، إلى أعمالهم باعتيادية” (عن هال كاين، الاعتراف الأخير).

ولتفسير انتقال النشاط السوقي من الخميس إلى الجمعة أو تفسير انتقال الخوف الطقوسي من يوم الجمعة إلى النشاط فيه لا يمكننا إلاّ التخمين في انتقال نشاط السوق من اقتصاد بيع المحاصيل والقطعان إلى المزادات وبيع المواد الاستهلاكية: أي انتقال السوق من الاقتصاد الواقف إلى الاقتصاد المتحرك: باختصار لا يمكننا فعل هذا دون اعتبار ميلاد رأس المال. وكما يُبين ماركس، فإن الرأسالمالية ليست مجرد تحرك البضائع بل تغيير حركية البضائع للأعراف والقوانين المحلية. وهذا متلازم مع الأسواق التي رأى سوغنيير البيضان يشدُّون الرحال إليها من البوادي: إنها أسواق تبيع البضائع الأوروبية التي تأتي عبر السفن بكميات قليلة وتأتي إلى المسلمين الخارجين بجموعهم من الجمعة بغرض بيع كل البضاعة لهم في وقت واحد. إنها الأسواق المركنتالية الأولى.

 ومن المهم أن نُسجّل أن هذه الأسواق، التي خرقت مبدأ عطالة الجمعة بالنسبة للمسافر الفرنسي، بدأت تزدهرُ في الصحراء على الأقل منذ القرن السابع عشر تلازماً مع الدفع الذي أعطته لها التجارة البرتغالية في القرن الخامس عشر. وفي موريتانيا فإن مصطلح السوق أو “المارصة” جاء من البرتغال، وليس من الفرنسيين، في القرن السابع عشر حيث تمَّ تأسيس أربعة أسواق للمقايضة مع البيضان. وقد عُرِفت هذه الأسواق في التقاليد البرتغالية بأسمائها البرتغالية أما عند البيضان فقد عُرفت بأمكنة محلية كآوكيج وربما توفية وغيرها. وتكمن أهمية هذه الأسواق التي حمتها إمارة الترازة قرب منطقة نواكشوط الحالية في أنها حوَّلت اقتصاد الصحراء وتمَّ فيها تحويل العملة المحلية من “الودع” (العملة القديمة من القواقع المالدفية النادرة) إلى عملة الصحراء الأكثر ديمومة: القماش الغيني الذي أشاعته رأسمالية المراكب الفرنسية. وإذا افترضنا أن هذه الأسواق بدأت أسواق جمعة كما توحي به إشارة سوغنيير في شمال الصحراء فإنها تطورت وخصوصاً عندما حوَّلت التجارة الأوروبية مع أهالي السواحل التجارةَ من تجارة مزادية إلى تجارة محطات دائمة موسميا. وسيسمح هذا بإبعاد التجارة عن المسجد وعن الجمعة.

8

على أن خصوصية الجمعة التجارية لم تمت بفعل تشعب الرأسمالية السواحلية. بل  سنرى أن الأسواق الأوروبية غيّرت العادات الثقافية المتعلِّقة بالجمعة دون توقف. ففي القرن التاسع عشر سنُلاحظ أن البيضان بدأوا يُعطون يوم الجمعة راحة لعبيدهم جنباً إلى جنب يوم الثلاثاء أو يوم الخميس (حسب الاختلاف العرفي بين الترارزة والبركة وتكَانت). ويُخبرنا رينيه كاييه، الذي عرفه البيضان باسم ولد كيجة النصراني، بوجود عطلة الجمعة والثلاثاء في البراكنة في عشرينيات القرن التاسع عشر. أما ألكسندر لاسنيه، الإستطلاعي الفرنسي في آخر القرن التاسع عشر، فنلاحظ معه أن العطلة البيضانية ستتقلَّصُ إلى ي‍وم واحد هو يوم الجمعة.

ولا نجد عطالة الجمعة في مناطق آدرار أو منطقة المسارح الكبيرة في تيريس في القرن التاسع عشر. ويبدو أن عطالة الجمعة تعلَّقت باحتكاك بالمركنتالية النهرية، وخصوصاً في منطقة لبراكنة، التجارية، التي تحوّلت فيها الإمارة المحاربة إلى إمارة متاجرة وانتصر فيها الجناح الذي يحمي التجارة (أولاد السيد) على الجانب الذي يمارس الغزو (أولاد نغماش). غير أن إعطاء يوم الجمعة راحةً للعبيد لا يتعلّق بقداسة الجمعة، بل على العكس هو كان احتكاكاً برأسمالية العطل الأسبوعية التي بدأت في هذه الفترة تُفرض على الخدم ( أي العبيد ذوي الأجور) في السنغال. ولكنها في الصحراء كانت أيضاً تأهيلاً ليوم التجارة الكبيرة، حيث يمكن للعبد أن يُحصّل علكه ويفدي به نفسه. وهذه العطالة الجُمعية كانت مُهمّة لملاك العبيد، الذين كانوا يحصلون أحياناً على فدية جُمعية من قبل عبيدهم. إذن لقد أصبح يوم الجمعة يوماً سعيداً للعبد وللسيد، ولكنه كان يوماً أسعد للسوق. ولأنه يوم السوق فإنه لم يكن يوم الراحة. وهذا يدعونا للتفكير في مصير الطبقة العمالية الأخرى في الصحراء: الحرفيون. هؤلاء كانوا يعدون الأواني لأيام السوق والمحطات وكانوا معلماً ضرورياً للأسواق وانتجاع البضائع وحملها. إذن يمكن القول إن الحداثة الأوروبية حوّرت الجمعة وزادت قداسة الأرباح إلى جانب قداسة العبادة.

 9

ولم تخلق أسواق الجمعة فقط  راحة المستعبدين أو زيادة السوق. ففي نفس الفترة من القرن التاسع عشر تُظهر الوثائق من الشعر والمحكيات ظهور عطلة “فقهاء المكاتب” وهذا مصطلحٌ أسقطتُه من العصر الأموي على “المرابطيين” أو معلمي الكتائب، وهي عطلة ستمتدُّ من مساء الأربعاء إلى مساء الجمعة. هل كانت إرثاً من مركزية يوم الخميس في الثقافة المغاربية التي وصلت إلى الصحراء في جملة انتقال الأسانيد والمحاظر من منطقتي تمبتكتو ومنطقة التوات في القرن الخامس عشر والسادس عشر؟ ربما. ولكن يجب الملاحظة أن هذا النظام البطالي كان متماشياً مع روح السوق في القرن التاسع عشر. فبنفس الطريقة التي كان بها يوم الجمعة يوم شغل فإنه، بعكس الخميس كان أيضاً يوم شغل دراسي إذ كان بداية الأسبوع فيعود فيه المعلم إلى المضارب مباشرة بعد صلاة الجمعة.

نقول: في القرن التاسع عشر لم يكن الجمعة يوم توقف، لا للحياة المحظرية أو للحياة التجارية، بل كان يوم ابتداء الأولى ويوم اشتداد الأخيرة. ولكن ما هو أهمّ أن  خصوصيته، الشغليَّة، لا البطاليَّة (التي هي أسطورة حداثية)، نجمت من تفاعل مع المركنتالية. ولقد ركّزنا كثيراً على حياة الصحراء والمغرب؛ ولكن نظرة سريعة إلى حياة المشرق لا تُعطينا أي وجود لتصور الجمعة يوم عطالة. ويجب أن لا ننسى أن رفاعة الطهطاوي، وهو على محك مشاهدة للغرب في القرن التاسع عشر، يُظهر لنا جهل ثقافته المصرية الإسلامية بمفهوم العطالة ويخترع له، وهو المترجم البارع، الكلمات التي نستخدمها هنا: البطالة والتعطيل.

10

وإذا كانت المركنتالية الأوروبية قد حوَّلت يوم الجمعة إلى يوم شغل فإن تطور هذه الرأسمالية هو ما خلق يوم الجمعة كيوم عٌطلة. ويجب أن نستذكر أن القرن الثامن عشر والتاسع عشر سيشهد في أوروبا بداية خلق العطلة الأسبوعية كظاهرة مصاحبة لخلق الرأسمالية للعمل المأجور وللشغيلة وحاجة الشغيلة إلى يوم دعة واستراحة ثم مأسسة يوم الدعة في المتاجرة بالرفاهية. لقد كان ثورستين فيبلن من أوائل من كتب بشكل نٌظمي عن هذه الظاهرة وكمكَمَ لنا مفهوم “طبقة التسلية” the leisure class، الأساسي في العنوان الشهير لكتابه. وسيبدأ معاصروه في الحديث عن صناعة التسلية، الذي سيغدو تأسيسياً في حياة الغرب الحداثي. ومع ظهور الشغيلة كحركة على وعي بذاتها وظهور الإضرابات كآلية للشغيلة لانتزاع حقوقها من رأسمالية القرن التاسع عشر استطاعت فرض مفهوم “عُطلة نهاية الأسبوع” كاستراحة مقدسة للحداثة. وبطبيعة الحال فإن خلق هذا اليوم تمّ بشكل مشترك بين رأس المال وبين العُمال والدين: العمال بإضراباتهم ورأس المال ببيعه لخدمات التسلية في يوم عيد الجمعة. ولاشك أن الكنيسة والتقوى المسيحية أو اليهودية (اعتقد ماركس في “المسألة اليهودية أن اليهودي لا يصبح مواطناً إلا بإلغاء يهوديته، ولكن اليهودي صار حداثياً بإقحام سبته في الحداثة. هنا يسقط ماركس لصالح فيبر) انخرطت في هذه العملية عندما اختارت الآحاد والأسبات أياماً للعطل ليتسنى للعمال أداء واجباتهم الدينية.

 

أما في العالم الإسلامي فسيشهد تصدير العطلة الأسبوعية وتحديد ساعات العمل في إطار تدفق الحداثة من مركزها الغربي إلى الأصقاع المحيطة تغييراً في الوجدان الإصلاحي وتصوُّره لنظام الشغل والعطالة . ويبدو أن الخلافة العثمانية كانت سبّاقة إلى ترجمة العرف الغربي إلى النظام التركي. وقد أصدر إبراهيم باشا في 1834 قانوناً بجعل الجمعة عيداً أسبوعياً. ويجب أن نتذكر أن هذا تمّ في إطار أجواء إصلاحات “تنظيمات” التي ترجمت “التقدم” الغربي إلى قوانين الخلافة/السلطنة. ومن المهم هنا أن نعرف أن العلماء لم يقبلوا بهذا القرار واعتبروه تقليداً للغرب و”تشبُّهاً بالنصارى واليهود”. ورغم تصاعد الحركة العمالية في أصقاع السلطنة وخصوصاً في مصر والعراق والبلقان إلا أن يوم الجمعة انتظر طويلاً ليأخذ وقتاً في وجدان “الأمة”. وبطبيعة الحال فإنه لم يأخذ مكانتَه الوظيفية والحداثية كيوم راحة دينيّة بسبب قرار سياسي بل بسبب تحول الرأسمالية بنظام أجورها وساعات عملها وتحصُّل نمط حياة معتمد على طبقة العمال واقتصاد الترفيه العطالي إلى بلاد الإسلام.

وبطبيعة الحال فإن التقنين العثماني لم يذع في كل العالم الإسلامي، وخصوصاً في الصحراء التي ظلّت دوماً مستقلة عنه، بسبب أفول القوة المركزية للخلافة وحلول التأثير الغربي محلَّها. وسُرعان ما أتت القوانين الاستعمارية بممارسة عطالة الأحد، لا الجمعة، الذي تغلغل في الثقافة العامة الصحراوية بحيث ارتبطت كلمة “ديماس” أو “التديميس”  (الأحد أو الأحدية) بالتعطيل. طبعاً لا يتعلق هذا الانتقال بمجرد ممارسة بيروقراطية بل بصدور نظام الأجور من المركز الرأسمالي إلى المحيط. وللمفارقة فإن استقرار هذا النظام هو ما سمح بترجمة ثقافية إلى عطالة الجمعة، فأصبح تحويل المفهوم الجديد للعطالة مطلباً استقلالياً مارسته حركات التحرر الثقافي وحوَّلته إلى رمز سيادة ثقافي و”ديني”.

اضغط هنا لاضافة تعليق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاكثر قراءة

لأعلى